2012/06/03

عالم الموت في تصورات الشعوب



مختلف الحضارات من العالم القديم والحديث على السواء كانت لديهم معتقدات عن وجود عالم اخر موازي لعالمنا تنتقل اليه الانفس بعد الموت. كان الانسان من الصعب عليه ان يؤمن ان الموت هو النهاية وكان خياله الخصب يصور له وجود عالم مماثل لعالمنا ولكنه شبحي. بعض الحضارات مثل البابلية والمصرية كانت تعتقد انه عالم سفلي، في حين ان حضارات افريقية كانت تعتقد انه شبحي ويعيش بيننا على الارض، اما الهندوس فكان يعتقدون انه لاوجود للموت على الاطلاق. هنا نتكلم عن تصورات شعب المايا الامريكي.

العالم السفلي في حضارة المايا
في منطقة نائية وصعبة التضاريس في شمال غواتيمالا تقع مدينة قديمة لحضارة المايا وهي مدينة Waka. في هذه المدينة التي تحتوي على اهرام ومعبد وابنية كانت جميعها مدفونة تحت اشجار ونباتات الغابات الاستوائية، وقد جرى ازاحة المتراكمات فوقها قطعة قطعة.

في منتصف المدينة يوجد المركز الروحي، وهو مجمع يحتوي على اهرامين كبيرين ومجموعة اهرامات صغيرة ومعبد حيث تقام الطقوس. في ثاني اكبر هرم عثر الاركيولوجيين على مقبرة ملكية لملك مجهول وفيها توجد مجموعة من التماثيل الصغيرة.

عند العثور على المقبرة كانت بعثة الاركيولوجيين تحت قيادة Michelle Rich. بدء الهدف بوضع الخريطة الهندسية والاركيلوجية لتطور المجمع الروحي لذلك جرى حفر بئر في احدى الاهرامات ولكن بعد بضعة امتار اصطدموا بسقف غرفة الدفن، والتي ظهر انها المقبرة الملكية.
غرفة المقبرة تحتوي على بقايا هيكلين احدهم لشخص بالغ والاخر لطفل عمره حوالي الستة سنوات. كلا الشخصين مسجيين على ظهرهم. البالغ الذي كان موضوع على طاولة حجرية قرب الحائط الشرقي، كان ملفوف في كفن عبارة عن ملابس منسوجة وفوقها جلد. كان الهيكلان في حالة سيئة بحيث لم يكن بالامكان تحديد جنس وعمر اصحابها.

المقبرة كانت غنية للغاية حيث تم العثور على 200 غرض. بعض الاغراض كانت واقفة على الطاولة الحجرية قرب هيكل الشخص البالغ، ومن بينها تسعة تماثيل من الفخار. اضافة اتلى ذلك كانت توجد بقايا عظام لحيوان مفترس واربع مخالب يغوار. وايضا كان الجلد الذي لف الجثمان لحيوان اليغوار مما يدلل على انحدار اجتماعي عالي للميت. . على صدره كانت توجد تسعة حسكات من سمك Himantura uarnak وصدف جميل، وايضا حجر اخضر (jade). واقسام من قناع من الموزائيك وتمثال لحية وسيراميك لاشكال هيروغليفية والعديد من الاشكال الفنية التي يمتلكها عادة الاغنياء. ومن دراسة الاشكال الهيروغليفية ظهر ان الميت ملك مجهول سابقا من ملوك مدينة واكا، مات حوالي 600 قبل الميلاد وهو العصر الذهبي لحضارة المايا.

اكثر مايثير الاهتمام هو 23 تمثال صغير والتي كانت ملقية على الطاولة الحجرية التي يستلقي عليها الشخص البالغ. كل تمثال من هذه التماثيل كان متفرد وارتفاعه مابين 10 الى 22 سنتم وجرى صنعه من الطين المحروق. في السابق جرى العثور على العديد التماثيل المشابهة غير انها كانت محطمة او مسروقة من مناطق التنقيب ولذلك تعتبر مجهولة الانتماء.
لذلك كانت هذه اللقى هامة للغاية في التعرف على اساطير المايا عن الحياة الاخرى وتصورات الانتقال الى العالم السفلي او العلوي. حسب تفسير الاركيلوجي ريتش فإن التماثيل وترتيبها ترمز الى طقوس البعث والاستقبال الملكية في العالم الاخر. التماثيل مصفوفة في دائرتين. الدائرة الخارجية تماثيلها صورة عن بشر حقيقيين في حين ان الدائرة الداخلية ترمز الى الشخصيات المتصلة بالقوى الخفية في العالم الاخر.

الملك المتوفي نرى صورته صغيرة وهو راكع على ركبته ومتزين بكامل زينته والى جانبه حيوان المها يحميه وهو ايضا رمز على الحماية الروحية الذي ستساعده في رحلته الى العالم الاخر. وضع الجلوس على الركبة واليدين على الصدر ، حسب العادات والاساطير لشعب المايا، هي من ضمن المتبع في عملية إعادة التجديد المقدسة التي يقوم بها الشامان. الاعتقادات لشعب المايا مرتبطة بقوى بخلاصة تجربة الشامان ولذلك يلعب الشامان والشامنية دورا مركزيا في الايمان عند المايا. لهذا السبب من المنطقي محاولة شفاء الملك وإبعاده عن الموت وإذا فشلت المحاولة تكون الطقوس قد مهدت له طريقا سلسا الى العالم الاخر واوصلته الى هناك " صحيحا".

بعد تمثال الملك وحيوانه يوجد تمثال لملك اخر هو وريث العرش ومعه تمثال للملكة. هذا الملك يحمل طاقية على شكل رأس قرد وهو رمز لله الاكبر من بين آلهة المايا ويرمز الى الفنون وبالتالي فن الكتابة والقراءة. في ذلك الوقت كانت الكتابة والقراءة حكرا على النخبة ولذلك كانت رمزا من رموز السلطة والغنى.

صورة الملوك يجري عكسها على شكل الاله القرد، وبذلك تكون وسيلة لربط الملوكية بالالهة واضفاء الشرعية المقدسة عليها تماما كما فعلت وتفعل النخب السلطوية في الحضارات الانسانية الاخرى حتى اليوم. غالبا تكون صورة الملك هي النسخة الارضية للاله القرد، وهذا الامر نجد له مثيلا في الديانة المصرية والسومرية والديانات السماوية. الملكة ترتدي ملابس حمراء وتحمل على رأسها طاقية غير متناظرة ترمز الى إله الذرة. في يدها درع مدور يشير الى انها تحتل منصب ملكة الحرب. بقية التماثيل في الدائرة الخارجية ترمز الى الخدم والحشم في القصر الملكي، بما فيهم الكاتب والراقص، وجميعهم لابد انهم كانوا شهود على طقوس عملية الانتقال الى العالم الاخر.

الدائرة الداخلية ترمز تماثيلها الى القوى الخفية الفوق طبيعية وجميع القطع السبعة لها مثيل في الاساطير والدين. احد الشخصيات قزم وعلى رأسه راس المها وبالتالي يرتبط بعلاقة بالحيوان الحامي. في يده نجد صدفة بحرية يمكن استخدامها كأداة موسيقية ولكن ايضا تستخدم في الطقوس من اجل توسيع الطريق الى العالم السفلي. وفي الدائرة الداخلية يوجد ايضا تمثال يرمز لشامان ولضفدعة ولشخص محدب الظهر. الشامان يفتح الباب الى العالم السفلي في حين ان الضفدعة ترمز الى الوجود في العالمين.

التماثيل كانت موضوعة بنظام مدروس حيث الشامان في الوسط يترنم بقرائته النصوص المقدسة لتسهيل انتقال الروح الى بيتها الجديد وهذا العمل يتطلب حرفية كبيرة إذ ان اي خطأ قد يؤدي بالروح ان تتيه وتعاني طويلا. لقد كان الشامان المسؤول الاول والاكثر اهمية لعملية طقس الموت التاريخية التي اعطت رجال الدين مركزا هاما في هرمية المجتمعات حتى اليوم.

دفن تماثيل واغراض مع الميت ليست مسألة مقتصرة على حضارة المايا وحدها بل نجد مثيل لها في حضارات القارة القديمة ايضا وكانت شائعة للغاية. التماثيل والاغراض كانت تدفن مع الميت ليكون لها الوظيفة نفسها في العالم الاخر. عادة كانت الاغراض يجري صناعتها بالذات من اجل ان تدفن مع الميت. الكثير من هذه الاغراض جرى العثور عليها في مقابر الفراعنة. غير ان الاشهر والاكثر تطرفا هي التماثيل التي عثر عليها في مقبرة الفيصر الصيني Qin Shi Huangdi الذي مات عام 210 قبل الميلاد ودفن معه جيشا كاملا يصل عددهم الى 8000 شخصية/ تمثال. كل تمثال منهم طوله حوالي مترين ولكل جندي منهم ملامح وجه خاصة به وتسريحته وبدلته حسب المظاهر العسكرية والرتب. وظيفة هذا الجيش هو حماية القيصر والقضاء على اعدائه في العالم الاخر.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More