2012/05/30

الاطراف المقطوعة تنمو من جديد




 
لماذا لايمكن ان تنمو الاعضاء المقطوعة عند الانسان من جديد كما تفعل عند كائنات اخرى مثل السحالي مثلا، هل هذه الخاصية من الخاصيات الموروثة في الحوض الجيني وفقدناها ام انها ظهرت عند السحالي والديدان بعد انفصال الثدييات عن الشجرة الرئيسية؟ هذا التساؤل اصبح حيويا اليوم بالرغم من ان ظهوره كان نتيجة الصدفة.

Ellen Heber-Katz البروفيسورة في علم المناعة من معهد ويستار بولاية فيلادلفيا الامريكية احدى الطليعيات في إتجاه الجواب على هذا السؤال، وهي تعتقد انه بعد مضي خمس الى عشر سنوات سنتمكن من إجبار الجسم على خلق اصبع جديد مكان المقطوع، او إعادة خلق انسجة الدماغ الشوكي المتضررة وحتى انسجة القلب، وخلال بضعة سنوات اخرى سنكون قادرين على تحفيز خلق الاطراف بكاملها. حسب توقعات العالمة سنتمكن في الخمسين سنة القادمة ان نعوض جميع اعضاء الجسم.

منذ الان يعمل العلماء مع مختلف المواد التي يمكن حقنها في الجسم بالقرب من الجرح ليجبر الجسم على إعادة خلق الانسجة المفقودة والمتضررة. وبالرغم من ان النجاحات لازالت في حدود الحصول على إلتئام الجروح بدون ترك أي ندبة، يأمل الباحثين الانتقال قريبا الى المرحلة التالية: تحفيز خلق اعضاء بكاملها.
هذه الطريقة ارخص بكثير من الطرق الاخرى مثل طريقة زرع الاعضاء في اجسام اخرى


من اين جاءت الفكرة
القدرة على إعادة الاعضاء المفقودة منتشرة نسبيا في عالم الحيوان بالرغم من انها نادرة عند الثدييات، التي تنتمي اليها الفئران والانسان. السلامندرا مثلا، تستطيع إعادة إنشاء اطرافها الاربعة او الذيل وحتى عضلات القلب. الدودة المسماة, sv. planarier, en. Flat Worms (Phylum Platyhelminthes) مثال آخر على حيوان يملك قدرة متميزة على إعادة إسترجاع الكثير من اعضاء واجهزة الجسم المفقودة او المتضررة، حيث ان ان جسم هذه الدودة قادر على الانقسام الى 279 قسم وكل قسم منه يصبح دودة جديدة كاملة. السمكة المسماة zebra fish ايضاً تستطيع ان تعيد اجزاء كبيرة من جسمها التي تتعرض للاكل من اعدائها بدون ان تحتاج ان تموت من جراء ذلك. العنكبوت يستطيع ان يستعيد اطرافه المقطوعة. ونجم البحر ذو الاطراف الخمسة ليس نادرا نرى بعض اطرافه اصغر من الاخرى ، حيث ليس فقط يمكن ان ينمو طرف جديد مكان المقطوع ولكن حتى المقطوع يصبح نجم بحر جديد.
الى فترة قصيرة كان سائدا عند العلماء ان فكرة إعادة إسترجاع الاعضاء عند الانسان هي فكرة سينمائية، ولكن الان وبفضل إكتشاف العلاقة بين جينات الحيوان والانسان في مسار التطور، اصبحت الفكرة واقعية للغاية.

عندما كانت العالمة Ellen Heber Katz, تتفحص فئران تجاربها المستخدمة لاكتشاف حدود قدرات المناعة ، وهي فئران من نوع MRL, اختير خصيصاُ بسبب ضعف المناعة عنده، وجدت تغييرات مريبة. بعض هذه الفئران جرى تأشيرها بثقب كبير في أذنيها من اجل سهولة فصلها وتميزها عن المجموعة الاخرى الداخلة في نفس الاختبار. عند التدقيق في المجموعة المثقوبة الاذن اعتقدت العالمة ان هناك خطأ قد جرى في توزيع الفئران، إذ لم يكن هناك ثقب في آذان الفئران التي كان من المفروض ان تكون مثقوبة الاذان. التجربة اعيدت ليظهر ان الثقب يزول تماما من نفسه، الامر الذي لم يجري في السابق ملاحظاته عند الفئران على العموم. الثقب لم يترك خلفه اي ندبة كما ان الاوردة في الاذن كانت طبيعية للغاية.

هذا الاكتشاف غير مجرى عمل العالمة لتصبح تجاربها موجهة الى رفع اللثام عن قدرات الفئران على إعادة البناء الحيوي. لقد ظهر ان لهذا النوع من الفئران بالذات قدرات مميزة وقادرة على إعادة بناء وتعويض الجلد والعظام الحرشفي والاصابع وعضلات القلب بدون ان تترك اية ندبة او اثر.

عادة لايمكن إعادة إستحداث عضلات القلب عند الثدييات وكل سنة يموت الكثير من البشر كنتيجة للندب التي تحدث عند إلتحام جروح القلب بعد العمليات. الندبات لها عواقب سيئة ليس فقط في القلب ولكن حتى في اماكن اخرى من الجسد. مثلا الندبة التي تحدث في المبيض تؤدي الى العقم، في حين يمكن ان تؤدي الندبة في العين الى العمى.
ماحدث عند الفئران يمكن اعتباره دليل كافي على ان الثدييات لازالت تملك خاصية إعادة الاعضاء في حوضها الجيني، وهذا بحد ذاته خطوة كبيرة الى الامام.


الجنين يملك الخاصية
توجد الكثير من المؤشرات التي تشير الى ان جميع الحيوانات لديها المؤهلات البيلوجية الضرورية لوجود خاصية إعادة البناء المعنية. مثلا جميع الاجنة قادرة على لئم الجروح من خلال نمو الانسجة بدون ترك اي ندبة، وهذه الخاصية تبقى لديهم الى مراحل متقدمة من نمو الجنين. التجارب التي جرت على اجنة الحيوان اظهرت قدرتهم على إعادة تعويض الاطرف والاعضاء، وان هذه الخاصية موجودة بأقصاها في المراحل الاولى من تشكيل الجنين في حين يفقدها الجنين على مراحل لتنتهي قبل الولادة.

هذا الامر يشير الى أن خاصية التعويض وإعادة الانشاء ليست بفضل طفرة عند نوع معين من الحيوان وانما طفرة بيلوجية تعود الى اوائل الطفرات التي تشكل اساسا باقياً في الحوض الجيني والموروثة عن الشجرة الرئيسية للتطور. ولكن لماذا فقدناها؟

البروفيسور Mark Ferguson من جامعة مانشيستر يشير الى ان اسباب الفقدان يجب البحث عنه في مسيرة تطور الحيوان، بناء على حاجات الانتخاب الطبيعي قبل ان تظهر لدينا الادوية الحديثة لم تكن لدينا القدرة على معالجة الجروح الناتجة عن اعتداءات الحيوان والمعارك وماشابه ذلك. المشترك في هذه الجروح جميعاً كونها كانت متسخة ولم يكن من الممكن تنظيفها ومعالجتها بشكل فعال. لهذا السبب فأن ظهور طريقة جديدة وسريعة في لحم (وليس لئم) هذه الجروح يعطي الكائن المعني افضلية حيوية بالمقارنة مع الاخرين إذ يتفادى التعرض للبكتريا والاوساخ لفترة طويلة مما يجعل فرصه للحياة اكبر.

عند حدوث الجرح يتشكل بروتين غير قابل للانحلال يقوم بسد الثغرة المفتوحة وبالتالي النزيف. الجلد القريب من الجرح يقوم بالتمدد ليغطي منطقة الجرح، والكريات البيض تسارع الى منطقة الجرح للقضاء على الجراثيم الداخلة. في النهاية تأتي خلايا الالياف المسطحة (fibroblastcell) الى الجرح لتجعله ينشد الى بعضه في نفس الوقت الذي تقوم فيه هذه الخلايا بملئ المنطقة بمواد مختلفة من ضمنها البروتين المسمى Kollagen.


عملية لحم الجرح هي المشكلة
من هذا الاستعراض نجد ان عملية الإلتحام هي المشكلة التي تعيق عملية عودة بناء الاعضاء، وهذا مرتبط بميكانيزم عمل خلايا الالياف المسطحة. هذه الخلايا هي المسؤولة عن بناء وتفكيك الشبكة المصنوعة من بروتين الكولاجين، الذي يعطي الجلد القدرة واللاستيكية المطلوبة، ولكن قدراتهم لاتقف عند هذه الحدود. انهم يحملون ايضا المعلومات اللازمة لتحديد مكان وجودهم في كل موضع من مواضع الجسم. البيلوجي الامريكي David Gardiner, يشبه دور هذه الخلايا الاليافية بدور مُنظم الفرقة الموسيقية. عند الحيوان الذي لازالت لديه القدرة على إستعادة الاعضاء نجد ان خلايا الالياف المسطحة التي تقوم بالتحكم بجميع الخلايا المُشاركة في عملية الإستعادة ، تستطيع ان تخبر هذه الخلايا بأنها ستقوم بالمشاركة في إستعادة ذراع وليس اصبع.

عند الحيوانات الثديية تقفز خلايا الالياف المسطحة عن هذه المسؤولية لتكتفي في إدارة خلق الياف لحم الجرح فقط عوضا عن عملية إستعادة كاملة. هل يستطيع العلماء منعها من تشكيل الياف لحيم واجبارها على العودة الى طريقتها القديمة السابقة؟ العديد من العلماء يعتقد ان ذلك ممكن.

من هذا السياق يفهم العلماء ان إنشاء نسيج للحيم الجرح يؤدي الى إضعاف الاشعارات الضرورية الاخرى القادمة من الجلد ،لهذا الامر يركز العلماء الان على خلق مرحلة يكون فيها الجرح مركزا لتجمع الخلايا الجذعية عوضا عن ان يكون مركزا لتجمع خلايا اللحام. صعوبة هذا التوجه في كون الخلايا عند الحيوانات الثديية قد تجذرت في التخصص واصبح من الصعب اجبارها على العودة الى حالتها البدائية الاولى كخلايا جذعية. في نفس الوقت من الممكن ان يعتبر جهاز المناعة ان هذه الخلايا الجذعية والانقسامات الصادرة عنها هي خلايا سرطانية ويقوم بقتلها، ولكن التجارب الناجحة على الفئران تشير الى ان هذا الخطر ليس مؤكد.


الجينات موجودة في حوضنا الجيني
في الحقيقة فأن هذه الظاهرة موجودة عند الانسان ايضا، إذ يمكن تعويض الاقسام العليا من الاصابع إذا لم يجري خياطة الجرح وإذا جرى إبقاءه نظيفاً. هذا على الاغلب بسبب بروتين يسمى Msx1, والذي ينشأ فقط في الاطراف العليا للاصابع. هذا البروتين وظيفته ان يكبح الجينات التي تجعل الخلايا متخصصة الامر الذي يؤدي الى نشوء مجموعة من التفاعلات البيوكيميائية تنتهي بتعويض الجزء المفقود.

الجينات هي التي تقرر اي نوع من البروتين يجب بناءه، ولكن وبالرغم من ان جميع الخلايا تحتوي على نفس الجينات فليس جميعها تقرر الامور بنفس الطريقة. Msx1 الذي يملك كود تشكيل بروتينه نجده مطفئ بصورة دائمة في جميع بقية الخلايا عند الثدييات عدا اطراف الاصابع. في احدى التجارب على خلايا العضلات عند الفئران تمكن العالم Mark Keating, من جامعة هارفارد ان يعيد التنشيط الى الجين " المطفئ" اعلاه. لقد كانت النتيجة ان خلايا العضلات تحولت الى خلايا جذعية يمكنها ان تتحول الى عضلات او اقدام او عظام حرشفية او حتى خلايا دهنية. توجد خلايا مشاركة اخرى في عملية التعويض والإستعادة، ولكن العامل المشترك بينهم جميعا انهم يدفعون الخلايا الى التصرف بنفس الطريقة التي تصرفوا فيها في مرحلة تشكل الجنين.


التجارب على الانسان ناجحة
وبالرغم من اننا لن نستطيع ان نجبر خلايانا على القيام بتعويض الاطراف المفقودة في القريب العاجل ، تمكن العلماء من القيام بالعديد من التجارب لتحسين إلتئام الجروح بدون ترك ندبات. شركة Renova احدى الطليعيين في تنمية التكنيك الجديد حيث منتجها الرئيسي Juvista, يحتوي على المادة المسماة TGFb3, والتي تكون نشطة عند تركيب الجلد عند الجنين. بعد الولادة تنخفض نسبة هذه المادة في الخلية بشكل حاد مما يؤدي الى تشافي الجروح في المستقبل بطريقة اللحام. عند إستخدام هذا الدواء عن طريق حقنة قرب الجرح يبدأ بالإلتئام بدون ترك اي اثر او ندبة. هذا الدواء يفتح الامل لمستقبل بدون ندبات ولمستقبل يتمكن الانسان فيه من تعويض اعضائه.

ماعلاقة الايدز بالتطور؟



 ماعلاقة الايدز بالتطور؟


معرفة إنحدار الانسان والحيوان من اصل مشترك يجعل من الممكن على العلماء ملاحقة الاصول المشتركة لظاهرة بيلوجية محددة، في موضوعنا الراهن: الايدز.
عائلة القطط المفترسة، مثل الاسد والنمر والضبع والبوما (عدا القطط المنزلية، مع الانتباه الى ان الضبع ينتمي الى عائلة القطط المتوحشة) غالبا حاملة لفيروس مشابه لفيروس الايدز الذي يشل جهاز المناعة عند الانسان، ولكن عند الحيوان نجده لايؤثر على صحتهم. عبر العصور تمكن جهاز المناعة عند الحيوان من الانسجام مع الفيروس المسمى FIV, بحيث ان الحيوان يتمكن من التعايش مع الفيروس جنبا الى جنب، في حين AIDS, اصاب الانسان منذ فترة تاريخية قصيرة، ولذلك فأن جهاز المناعة لم تتاح له الفرصة لبناء دفاعاته. ومن حيث اننا لانستطيع ان ننتظر آلاف السنين لنترك، بشكل طبيعي، للتطور تنمية دفاعات جهاز المناعة بدأت العالمة Melody Roelke من معهد السرطان الوطني في الولايات المتحدة بدراسة القطط المفترسة لمعرفة الطريقة التي قام جهاز مناعتهم بتطويرها، لمعرفة مدى إمكانية إستغلالها عند البشر.

الايدز عند الانسان ظهر تاريخياً منذ فترة قريبة للغاية، وبالذات في الثمانينات من القرن الماضي، ليكتشف العلماء بعد ذلك بفترة قصيرة، تعرض القطط المنزلية لفيروس غير معروف سابقا ولكنه يشبه فيروس نقص المناعة عند الانسان HIV والذي يسبب الايدز ولذلك اطلق العلماء عليه FIV, Felint Immunosuppressivt Virus, فمن اين جاء فيروس نقص المناعة الى الانسان؟


الاسد الحامل للفيروس لايصاب بالمرض
حسب توقعات العلماء فأن 12% من القطط المنزلية تحمل الفيروس اليوم وخلال بضعة سنوات سيتطور الى الايدز وتموت، إذ ان جهازها المناعي لايستطيع مقاومته. على ضوء هذا الامر كانت مفاجأة للعلماء إكتشاف ان فيروس FIV واسع الإنتشار بين القطط المتوحشة الكبيرة مثل الاسود البرية، في اجزاء كثيرة من افريقيا.
في حديقة الحيوانات الوطنية في افريقيا الجنوبية وتنزانيا كانت 91% من الاسود حاملة للفيروس بدون ان يجلب لها اي مرض، بل على العكس نجد ان الاسود في منطقة تنزانيا قد تضاعف عددها في العشر سنوات الاخيرة.

FIV تماما مثل HIV ينتقل إذا انتقل الدم او سوائل الجسم الاخرى من مصاب الى الدورة الدموية لكائن اخر. على العكس مما هو الامر عند الانسان لاينتقل الفيروس عند الحيوانات المفترسة من خلال الجماع وانما من خلال العراك الناشئ بينهم وعندما يعضون بعضهم، حيث ينتقل مع اللعاب الى الجرح ومنه الى الدورة الدموية.


الفيروس يهاجم خلايا المناعة
خلال بضعة سنوات قامت العالمة Melody Roelke وفريقها العلمي بأخذ عينات من دم الاسود لمعرفة كيف يستطيعون العيش بشكل طبيعي بالرغم حملهم لفيروس يقتل القطط والانسان. إطلاق جهاز المناعة للكريات البيض المضادة لفروس FIVيشير بوضوح الى ان الجسم قد تأثر بهذه الفيروسات. تماما كالفيروس الانساني يقوم فيروس الحيوان بالهجوم على الغدد اللمفاوية بالذات من خلال إشتباكه مع نوع خاص من منهم المسماة T-lymfocyts. من هذه الخلايا توجد عدة انواع لكل منها وظيفته الخاصة في تحقيق المناعة، ولكن كلا النوعين من الفيروس الانساني والحيواني يهاجمون بالذات خلايا المناعة المسماة CD4+-, وهي خلايا تشارك في البحث عن المواد الغريبة في الجسم. عندما يقوم الفيروس بالسيطرة على هذه الخلايا في غدتهم اللمفاوية يجري تحييدهم ويفقدهم القدرة على التفاعل.

الانسان السليم يملك عادة مابين 600-1200 CD4+- خلية في الميكروليتر من الدم، ولكن عند الاصابة ينقص هذا العدد نقصا كبيراً، وإذا وصل العدد الى اقل من 350 يصبح الانسان قابل للاصابة بالالتهابات وعندما يهبط العدد الى مادون 200 يقال ان المرء المصاب بفيروس HIV, قد اصيب بالايدز. عند هذه النقطة يصبح جهاز المناعة الى حد بعيد بدون فعالية، والمصاب سيموت.

نتائج ابحاث العالمة Melody Roelke وفريقها جرى نشرهم عام 2006 واظهرت انه وحتى إذا كانت خلايا المناعة CD4+- عند الاسد مصابة بشكل كبير فأن صحة الاسد لاتتأثر. الاسد الذي لم يكن مصاب بالفيروس يملك حوالي 1200 خلية من خلايا CD4+- في الميكروليتر من الدم، تماما كما لدى الانسان، في حين عند الحيوانات المصابة وصلت الاعداد الى حد 240. حسب النموذج الانساني كان على الاسد المصاب ان يكون مصابا بالايدز، ولكن الحقيقة مختلفة. نصف اعداد المصابين بالايدز كانوا اصحاء تماما في حين البقية لم تزيد اعراضهم عن انتفاخ الغدد الليمفاوية او إلتهاب بالجروح او نقص عام بالوزن. اللبوة التي بلغت اعداد خلايا CD4+- عندها الى 55 خلية في الميكروليتر من الدم ، بما معناه 20 مرة اقل من المعدل الطبيعي، كانت مثيرة للاهتمام بشكل خاص. هذه اللبوة التي لم تتجاوز الاربعة سنوات من العمر كانت بصحة جيدة، ولكن عينات دمها اظهرت إضافة الى وجود فيروس FIV , وجود فيروس اخر بإسم CDV. هذا الفيروس الاخير وباءه قد انتشر بين قطعان الاسود في المنطقة قبل اخذ عينات الدم ببضعة سنوات.

CDV يصيب الجهاز العصبي والجهاز التنفس وينتهي على الاغلب بالموت. عادة لايصيب هذا الفيروس غير الكلاب ولكن عام 1994 انتشر لاول مرة الى الضباع (التي هي ايضا من فصيلة القطط) ومنهم الى الاسود في منطقة Seregneti. منظومة المناعة عند الاسد لم تكن مستعدة لهذا الفيروس تهائياً، مما وضعها امام تجربة صعبة. حوالي 1000 من قطيع الاسود مات بسبب المرض وهو عدد يساوي ثلث العدد الكلي للقطيع في المنطقة.


جهاز المناعة يتمكن من التلائم
لكون هذه اللبوة ،التي يحتوي دمها على عدد قليل للغاية من خلايا المناعة CD4+- تملك ايضا كريات بيض ضد مرض CDV ، إذا كانت ايضا مصابة بهذا المرض المميت. في ظروف هذه اللبوة، حيث جهاز مناعتها في الظاهر مصاب بالايدز حسب التعريف الانساني، كان من المفروض ان تكون مريضة للغاية ولكن جهاز المناعة تمكن الدفاع ضد هذا المرض بفعالية.
النتائج التي توصلت اليها العالمة Melody Roelke ليست هي الوحيدة التي تشير في هذا الاتجاه. تحليلات العلماء تتوجه الى القول بأن حظ الاسود بالتغلب على المرض القادم من الكلاب لاعلاقة له فيما إذا كان الاسد مصاب بفيروس FIV ام لا. هذا الاستنتاج نفسه يمس مرض آخر يهدد قطيع الاسود اليوم في منطقة Kruger National Park.
اكثر من نصف افراد قطيع الاسود الذي يصل الى حوالي 2000 فرد مصابة اليوم بمرض السل الرئوي (Tuperkulos), الذي انتقل اليهم من الجواميس. مرض السل يقتل من الاسود كل عام حوالي 25 فرداً، وهو يضعف الذكور الى درجة انهم لايستطيعون الدفاع عن منطقتهم، وعلى المدى الطويل يمكن ان يشكل ذلك خطر على القطيع. السل يشكل موتا مؤكداً للانسان المصاب بالايدز، في حين لاتشير الدلائل على ان اصابة الاسد بالايدز تعرقل قدرته على مكافحة السل.

ليس فقط الاسد الوحيد الذي تمكن من التعايش مع الاصابة بالنسخة الحيوانية من فيروس HIV, إذ أظهرت تحاليل الدم ان جميع اسرة القطط المتوحشة تقريبا حاملة لهذا الفيروس، بدون ان يكون ذلك سبباً لفقدان المناعة. عند Puma التي تعيش في امريكا الشمالية نجد ان نصف اعداد القطيع مصابة بفيروس FIV, وعادة يحتوي الميليمتر من دمهم على عدة مئات الاف من هذا الفيروس. عند اصابتهم بالفيروس يتناقص عدد CD4+- في دمهم بدون ان يكون لذلك اي تأثير.


فيروس FIV يملك عدة نماذج
في سبيل الوصول الى توضيح حول اسباب قدرة جهاز المناعة عند فصيلة القطط المتوحشة، على الاستمرار في أداء وظائفه بالرغم من ان قسم كبير من خلايا CD4+- قد جرى تحييدها، قامت العالمة Melody Roelke وفريقها بدراسة درجة التقارب بين فيروسات FIV المأخوذة من 349 اسد ولبوة في سهل Seregneti. مثل هذه الدراسة يمكن ان تعطي صورة عن تاريخ نشوء وتطور هذا الفيروس وخط انتشاره وكيفية ظهور وتطور دفاعات المناعة عند قطيع الاسود.

من العينات الدموية قامت العالمة بفصل فيروس FIV ودراسة خريطته الجينية. لقد ظهر ان الفيروس في منطقة Seregneti ، ليس نوعا واحد وانما خمسة انواع مختلفة. اثنين منهم موجودين عادة فقط عند Puma والقطط المنزلية، وتقريبا نصف المصابين في قطيع الاسود كان حاملا على الاقل لنوعين من هذه الانواع الخمسة في نفس الوقت.

هذا الاختلاط الواضح يشير الى ان القطط المتوحشة تعايشت وتلائمت مع الفيروس خلال فترة طويلة من الزمن. الفيروس تمكن خلال هذه الفترة من القيام بعدة طفرات في تركيبه الجيني وعدد هذه الطفرات الحادثة في القطيع يمكن ان تكون ساعة بيلوجية لمعرفة لحظة إنتشار هذا الفيروس الى الاسود وبالتالي المدة التي اصيبت بها القطط المتوحشة بهذا المرض.
يعتقد ان الايدز قد انتقل الى الانسان عن طريق " ابن عمنا" الشمبانزي، وحدث هذا قبل حوالي 60-100 سنة فقط، هذا التقدير يتطابق مع كون جينات فيروسنا تتشابه مع جينات الفيروس الذي يصيب الشمبانزي SIV وهذا التشابه الجيني يشير الى ان ان النوعين لم يأخذوا الوقت الكافي لخلق إختلاف عميق وتخلق انواع جديدة، فالاختلاف الجيني بين الفيروس الانساني وفيروس الشمبانزي اقل بكثير من الاختلافات الموجودة بين فيروسات القطط المتوحشة.


إستراتيجية جهاز مناعة القطط المتوحشة في معالجة المرض مختلفة
هكذا نرى ان الاسود عايشت الفيروس فترة طويلة تصل الى عدة آلاف من السنين، وتمكن جهاز مناعتها من إكتشاف الطريق للتفوق على المرض، ولكن العلماء لم يستطيعوا فهم هذا الميكانيزم. بالمقارنة مع القطط المنزلية التي تموت من الفيروس، يقوم جهاز المناعة عند القطط المتوحشة بإعطاء رد فعل مختلف.

في الوقت الذي يقوم فيه فيروس FIV بالهجوم على خلايا CD4+- وتدميرها يظهر وكأن جسم القطة المنزلية يقوم بالتعويض عن ذلك من خلال بناء انواع اخرى من انواع الغدة اللمفاوية T-lymfocyter, في حين نرى ان الاسد يقوم بإنتاج المزيد من مايسمى B-lymfocyter. هذان التوعين من الخلايا الليمفاوية جزء من جهاز المناعة، ولكن لكل منهما وظيفته الخاصة. من حيث ان خلايا CD4+- هي ايضا نوع من انواع خلايا، T-lymfocyter التي تسعى للبحث عن الاجسام الغريبة وقتلها، فمن المفروض ان تكون إستراتيجية القطة المنزلية صحيحة، ولكن الواقع يظهر ان استراتيجية الاسد هي القعالة. بالرغم من ان B-lymfocyter يشاركون فقط في إنتاج الخلايا البيض.

العالمة Melody Roelke قامت ايضا بدراسة جهاز المناعة عند Puma المصابة بالفيروس، ليظهر انها انتجت إستراتيجيتها الخاصة في تجنب التعرض للنتائج الممرضة للفيروس. هذه القطط يظهر انها تتأثر بالفيروس اقل بكثير مما يحدث عند الاسد مثلا. هذا الامر يعني ان Puma قد تعرضت للمرض قبل الاسود.
على ضوء هذا العرض وبالتطابق معه نجد ان التحليل الجيني للفيروس القادم من الاسد ومن البوما ،الذي تقدمه العالمة يشير الى ان الفيروس قد اصاب جد البوما وبعد ذلك انتقل الى الاسود.

المثير في الاستراتجيجية التي اتبعها جهتز المناعة عند القطط المتوحشة في صراعه مع الايدز، انه لايقضي على الفيروس وليس حتى موجه ضده، وانما يعيد تنظيم المناعة بحيث انها تستمر بممارسة مهماتها بفعالية بالرغم وجود الفيروس. بمعنى آخر فهي تترك الفيروس يعتقد انه انتصر بحيث انه لايحتاج الى تطوير نفسه ضد جهاز المناعة. FIV, تماما مثل النموذج الانساني منه، لايسعى لتدمير جهاز المناعة وانما فقط السيطرة على CD+- ليتمكن من التكاثر فيها. إذا تمكن الجسم الحاضن من تطوير ميكانيزم يحمي خلايا CD+- عندها سيجبر الفيروس على ايجاد وسيلة لخرق هذا الدفاع وبالتالي سيكون الصراع بلانهاية، ولكن إذا ضحى الجسم الحاضن بخلايا CD+- واعطى مهماتهم الى خلايا اخرى، عندها يبقى فيروس FIV هادئ ، يمكنه من الاستمرار بالتكاثر بدون ان يشكل ذلك عبئ على جسم المضيف.

على المدى البعيد سيتمكن جهاز مناعة الانسان ايضا من تنمية إستراتيجية للدفاع ضد الايدز والانتصار عليه، او لربما قد فعل ، ولكن الى ذلك الوقت يمكن للاسد ان يساعدنا في خلق انواع جديدة من الادوية تسمح لنا بالصراع المبكر مع الايدز وتساعد جهاز مناعتنا.

الفرق بين الانسان الحالي والنيندرتال



تشير المستحاثات الى ان الانسان الحالي لم يكن الوحيد على الارض، وانما الاخير فقط، إذ عاش قبله انواع اخرى من البشر. ومن المثير ان الانسان الراهن عاصر انسانا آخر لفترة حوالي 15 الف عام هو الانسان المسمى: النيندرتال، وحدث هذا قبل حوالي 35 الف سنة فقط. إنقراض هذا الانسان قد يكون دليلا على انه لم يكن في احسن تصميم، غير ان وجوده يبقى دليلا على ان الطبيعة قد قامت بالعديد من التجارب قبل ان تصل الى النموذج الافضل. هذا الامر يطرح عدة تساؤلات: متى انفصل النيندرتال عن الشجرة الرئيسية، ولماذا فشل إنسان النيندرتال في حين نجح الانسان الحالي في تجربة "الصراع على البقاء" لتحقيق مبدأ " البقاء للافضل"؟

تمكن العلماء من وضع خريطة الجينوم لجزء كبير من مورثات النيندرتال، بواسطة تكنيك جديد. الفرق بين مورثات النيندرتال ومورثات الانسان الحالي ستستخدم لمعرفة السر خلف نجاح الانسان الحالي وفشل الانسان السابق، ولتحديد الجينات التي تميزنا ودراستها.

منذ عام 1856، حيث تم إكتشاف مستحاثة إنسان النيندرتال لاول مرة، تحيط بهذا الانسان الكثير من الاسرار. الى ماقبل سنة واحدة كان الاعتقاد سائداً وسط العلماء بإستحالة وضع خريطة كاملة لجينوم هذا الانسان، ولكن العلماء الامريكيين والسويديين والالمان يقومون بوضع هذه الخريطة الان. خلف هذا النجاح يقف تكنيك جديد يسمح بفك شفرة كود المورثات بسرعة تزيد بمئة مرة كما كان الوضع عليه في السابق. الخارطة كاملة ستكون جاهزة بعد حوالي سنتين من الان.

النيندرتال سيكون هو الكائن المنقرض الاول الذي وضعت له خريطة جينوم، مما سيمكن من اعطاء الكثير من المعلومات لفك احجية هذا الانسان، والاكثر اهمية، انه سيحدثنا عن انفسنا. من خلال مقارنة الحوض الجيني للنيندرتال مع حوضنا الجيني ليمكن ان نتعرف على المورثات التي جعلتنا نتفوق على الاخرين.


مانعرفه اليوم ان النيندرتال عاش في اوروبا عندما كانت تختلف اختلافا كبيرا عن اوروبا الحالية. لقد كانت اوروبا تمر بفترة العصر الجليدي وتملك من الحيوانات مايمكن مقارنته بأفريقيا اليوم، ولكن في جو بارد. كانت سهول اوروبا مملوءة بقطعان من البيزون والاحصنة المتوحشة إضافة الى الماموث ووحيد القرن ذو الصوف، جميعهم كانوا يعيشون جنبا الى جنب مع الاسود والضباع والنمور.

النيندرتال الاوروبي هو فرع من الشجرة التي ظهر منها الانسان الحالي، وقد جاء من افريقيا في وقت مبكر. كان انسان النيندرتال ذو بنية قوية وقصيرة وهو صياد ماهر، يتقن إشعال النار وصناعة الرماح، كما يقوم بدفن موتاه.

قبل حوالي 150 الف سنة، وعندما كان انسان النيندرتال منتشر في عموم اوروبا وفي اقسام من آسيا الداخلية، نشأ جنس الانسان الهومو سابينس لاول مرة من الجد الاقدم لانسان النيندرتال، الباقي في افريقيا. عندما وصل الانسان الجديد الى اوروبا شكل تحدياً لوجود النيندرتال وبدأ العد التنازلي لقدرته على البقاء ومنافسة الانسان الجديد. لااحد يعرف بالضبط كيف حدث هذا، ولكن المستحاثات واللقى التي عثر عليها في انحاء متفرقة من اوروبا تشير الى ان الانسان الجديد وصل الى اوروبا من الشرق والجنوب الشرقي قبل حوالي 45 الف سنة، وعاصرا الانسان الاقدم لفترة تقترب من 15 الف سنة، وهي الفترة التي يصبح فيها انسان النيندرتال الاخير محشورا في منطقة شبه جزيرة الايبر، حيث تقع حاليا اسبانيا والبرتغال .

لايوجد مايدل على حدوث إبادة جماعية ، ولربما خسروا الصراع على الطعام او لربما ذابوا اثنياُ مع الانسان الجديد، ولكن الاحتمال الاخير يفترض ان يكونوا قد تركوا آثارهم الجينية في الانسان الحالي، فهل فعلوا؟




تكنيك خريطة الجينوم يتحسن
قد يظهر للبعض إستحالة إمكانية إستخراج الخارطة الجينية من مستحاثة لها من العمر حوالي 40 الف سنة، وهو نفس الاعتقاد الذي كان، قبل سنة واحدة فقط، يملئ العلماء الذين يجرون إعداد الخريطة اليوم وهم العالم السويدي Svante Pääbo, من معهد ماكس بلانك الالماني في لبيزيغ، وزميله الامريكي Edward Rubin, من مختبر بيركلي في كاليفورنيا.

تكنيك تحديد المورثات جرى تطويره بشكل كبير في السنوات الاخيرة واليوم اصبح اسرع وارخص. الهدف من التطوير كان للوصول الى امكانية ان يتمكن كل طبيب من معالجة المرضى على خلفية خريطتهم الجينية الخاصة. حاليا تجري شركات البيوتكنيك تطوير مالايقل عن 20 طريقة جديدة لوضع خريطة الجينيوم. الشركة المسماة 454 Life Sciences, مثلا استخرجت طريقة متطورة تجعل العملية اسرع بمئة مرة من السابق من خلال القيام بعدة تحاليل في وقت واحد وبشكل متوازي.

هذا الامر اعطى العالم السويدي Svante Pääbo, فكرة وضع خريطة الجينوم لانسان النيندرتال، ليبدء بجمع عينات العظام من متاحف العالم الطبيعية، حيث يوجد 300 لقية عظمية، ليتمكن في النهاية مع زميله الامريكي من تقديم خارطتين الاولى تحوي على مليون والثانية على 65 الف زوج جيني لنيندرتال.

نتائج كلا الخريطتين تتفقان مع بعضهم البعض ويكشفان للمرة الاولى ان العظام تعود لرجل. إضافة الى ذلك تظهر النتائج ان خط تطور الانسان والنيندرتال قد افترقا قبل حوالي 500 الف سنة. وايضا اظهرت النتائج ان كلا النوعين لم يختلطا جينيا، ولكن العلماء حذرين في استخلاص النتائج النهائية، إنطلاقا من ان المليون زوج جيني ليسوا إلا نقطة في بحر، بالمقارنة مع ان الجينوم العام يبلغ ثلاث مليارات زوج جيني. إضافة الى ذلك تعطي معلومات عن فرد واحد فقط، ومن الممكن ان يكون هناك اختلاف بين المجموعات في المناطق المتعددة. الجواب الاخير على فيما إذا كان النيندرتال يستطيع التزواج مع الانسان يمكن الحصول عليه عندما ينتتهي انشاء خريطة الجينوم كاملة، ويفضل ان تكون من عدة عينات من مناطق مختلفة.

وعلى كل حال فهذا احد السؤالين الكبيرين فقط، فالسؤال الثاني هو: لماذا اختفى النيندرتال.
وإذا لم يكن قد اختفى بسبب ذوبانه جينيا في الهومو سابينس (الانسان الحالي)، او بسبب إبادة جماعية فلا يبقى إلا احتمال واحد ممكن: لقد فشل في المنافسة على الموارد وبالتالي في الصراع على البقاء، امام الانسان الجديد، حسب توضيح العالم Richard Klein, من جامعة ستينفورد الامريكية.

حيث ان كلا الانسانين كانوا يعيشون على الصيد وجمع النباتات، ولكن الانسان الجديد عندما جاء الى اوروبا كان يملك تكنيكاً اكثر تطورا وعلى الاغلب يملك ايضا بنية اجتماعية مختلفة وسلوك مختلف، ساعده على إستغلال الطبيعة بشكل اكثر فعالية.


توضح الخريطة اماكن إنتشار النيندرتال والفروقات بينه وبين الانسان الحالي



الانسان الجديد يملك قدرات افضل
العالم كلين يعتقد ان النيندرتال انقرض بسبب الجوع، وان هذا الامر جرى بشكل سريع، حوالي مئتين من السنوات لكل مجموعة. هذا التوضيح يتطابق مع الصورة التي تظهر ان الانسان الجديد كان يمر بمرحلة إزدهار إبداعي في فترة ماقبل 70 الف سنة، رافقتها إنتشار سريع في مختلف المناطق اجبرت الانواع الاخرى من البشر على الانحسار. فكرة " الانفجار او الازدهار الابداعي" تجد جذورها في العديد الملاحظات، ليس اقلها معرفتنا بان الانسان الجديد لم يبدأ بالهجرة والتوسع بالانتشار إلا قبل 60-70 الف سنة، بالرغم من ان المستحاثات التي عثر عليها وتعود له، تظهر انه كان موجودا كنوع منذ 200 الف سنة. مالذي جعله يتأخر بالانتشار؟

وقت هجرته تتطابق مع فترة بدء ظهور زخم اكبر من الادوات المتطورة والمنتجات الفنية، وإضافة الى ذلك يظهر تحليل مورثات الانسان الحالي ان جميع البشر خارج افريقيا ينتمون الى المجموعة نفسها التي تعيش في شرق افريقيا. هذا يقدم لنا صورة عن حدوث تغيير نوعي عند الاجداد الاوائل جعلهم اكثر قدرة على الابداع مما مهد الطريق لإنتشارهم بفترة قصيرة والتضييق على الانواع الاخرى واخراجها من حلبة المنافسة خاسرة.

هذا التغيير النوعي هو الاساس الذي جعل نوعنا متفوقا على بقية الانواع الانسانية وهو الذي ميز الانسان الحالي وهو الذي خلق القدرة لدينا للابداع في الصيد والزراعة والثقافة، والفرق الجيني بيننا وبين النيندرتال يمكنه ان يهدينا الى هذه الجينات تحديداً.


ثلاثة ملايين إختلاف يفرق بيننا منذ الان يعرف العلماء جزء من الاختلافات الجينية التي تجعل الانسان متميزاً بالمقارنة مع اقرب كائن حي قريب لنا: الشمبانزي، والذي يجمعنا جد مشترك معه قبل حوالي 5 ملايين سنة. مع تحديد الفروقات الجينية بيننا وبين النيندرتال يمكن الوصول الى دقة اكبر في قراءة اسباب إنسانيتنا، إذ بينما يفرقنا عن الشمبانزي 35 مليون اختلاف جيني تشير التوقعات الاحصائية الى انه يوجد حوالي 3 ملايين اختلاف جيني فقط بيننا وبين النيندرتال.

نتائج التحاليل الاولية تشير الى اننا نتشارك مع النينيدرتال فيما بين 99,5 - 99,9% من الحوض الجيني. إضافة الى ذلك سيتمكن العلماء من رؤية فيما إذا كانت الفروقات بيننا وبين الشمبانزي تفرقنا عن القرود فقط ام انها ذاتها التي فرقتنا عن النيندرتال ايضا. في مثل هذه الحالة سيكون من المثير دراسة هذه الجينات لمعرفة مالذي جعل الانسان إنساناً.

خريطة الجينوم للنينيدرتال لوحدها لايمكنها كشف مالذي يجعلنا مميزين. هذه المعلومة نحصل عليها من خلال المزيد من الابحاث التي تظهر وظيفة الجينات التي تفرق بيننا. هذا يعني انه لازال هناك الكثير من الجهود التي يجب بذلها لتحليل وظيفة كل جين، ولكن جينوم النيندرتال وسيلة لاتعوض، إذ يشبهها العلماء بحجر الرشيد الذي عثر عليه في مصر والذي كان مفتاحا للغة الهيروغليفية.


وهنا نستعرض نموذج على طريقة قراءة الفوارق الجينية، نقلا عن مجلة التايم، وهذا المثال عن الفوارق الجينية بين الانسان والشمبانزي:

2012/05/29

اسطورة الخلق لدى الصابئة المندائيين


2010 / 1 / 25

قام «نعيم بدوي» (1911- 2002) و«غضبان رومي» (1905ـ 1989) وهما من أعلام «الطّائفة المندائيّة» في العراق وأبرز مثقّفيها بترجمة كتاب الباحثة «إيثل ستيفانا دراور» (Ethel Stefana Drower) (1879-1972) أو «اللّيدي دراور» (Lady Drower) كما اعتاد تسميتها المشتغلون على مبحث الصّابئة وهو بعنوان:«مندائيّو العراق وإيران: عقائدهم وعاداتهم وأساطيرهم وآدابهم»(1)، وقد نشر لأوّل مرّة باللّغة الانكليزيّة سنة 1937.
ظروف كتابة النصّ المترجم:
كانت «دراور» قد أقامت بالعراق خلال مرحلة الاحتلال البريطاني له في الرّبع الأوّل من القرن العشرين، ودرست لغة الصّابئة أي «اللّغة المندائيّة» وهي من أقدم اللّغات في المنطقة العربيّة إذ هي اللّهجة الشّرقيّة من اللّغة الآراميّة وأخت للّغة العربيّة. وقد استرعت الدّيانة الصّابئيّة اهتمامها من حيث قول أتباعها بالاغتسال بالماء «الحيّ»، وهو ما جعل البعض يصنّفها ضمن طوائف المغتسلة (sectes baptistiques) التي كانت تتعمّد بالمياه الجارية في نهر الأردنّ، كما أنّ أتباعها ينسبون أنفسهم إلى «يهيا يوهنّا» أو «يوحنّا المعمدان» عند المسيحيّين والنبيّ «يحي بن زكريّا» في المأثور الإسلامي. ممّا دعا بعض الباحثين إلى الرّبط بينهم وبين الطّوائف المسيحيّة الأولى. ويندرج كتاب اللّيدي دراور هذا في إطار الشّهادات «الاستشراقيّة» عن بعض مكوّنات الثقافة والمجتمع في الشّرق العربي وكذلك في إطار تيّار نقدي يتناول تاريخ نشأة المسيحيّة بالدّرس والبحث في جذورها عبر مناهج علميّة تخضع لشروط الموضوعيّة لا للأجوبة الإيمانيّة أو الميتافيزيقيّة، وهو التيّار الذي عرف أوجه في القرن التّاسع عشر مع روّاد المدرسة الفيلولوجيّة الألمانيّة.
وقد أوردت اللّيدي دراور بعض أساطير الصّابئة في كتابها نقلا عن شخص صابئيّ مندائيّ يدعى «هرمز بر أنهر» (2) ينتمي إلى أسرة كهنوتية إذ كان جدّه «كنزفره» وهي أعلى درجة كهنوتية لدى هذه الملّة. كما كان «هرمز» رغم عدم اشتغاله بالكهانة ممّن يتقن اللغة المندائيّة ولا يكتب أو يقرأ إلاّ بها، علاوة عن كونه كان متصوّفا وشاعرا محبّا للحياة ومعظّما لـ «شامش». وقد روت دراور قصصا عن هرمز حفظها عن أبيه تتعلّق خصوصا بنجمة الشّمال أو الشّعرى العبور والقوى الخفيّة من جنّ وشياطين وأرواح شرّيرة أو أشباح «شبياحي» باللّغة المندائيّة.
علاقة النصّ بأعمال أخرى حول الصّابئة:
يدرج بعض الدّارسين أعمال دراور في إطار توجّه ساع إلى الحفر في جينيالوجيا الدّين المسيحيّ، أي ضمن التيّار الاستشراقيّ المهتمّ بالنّظر في الصّابئة باعتبارها «الطّائفة المسيحيّة الأمّ»، ممّا قد يسهم في فهم جذور نشأة الدّيانة المسيحيّة ذاتها. ولئن سبق للدّمشقي «نقولا السّيوفي» (3) أن بحث في هذه المسألة منذ سنة 1880 من وجهة نظر وصفيّة ممّا يجعله بحقّ المرجع الأوّل من حيث الاهتمام بالمسألة الصّابئيّة في العصر الحديث، فإنّ اعتماد دراور منهجا نقديّا جعلها مثار سخط الشقّ المحافظ في الكنيسة وتسبّب في ظهور جدل واسع تضمّنته بالخصوص أعمال كلّ من الأب «ألفريد لوازي» (Alfred Loisy) و «روبير ستال» (Robert Stahl) (4).
وينتمي المقتطف الذي نترجم إلى الملحق الذي أسمته الباحثة «الكتاب الثاني» من عملها المخصّص لعرض أساطير الصّابئة وطقوسهم ومعتقداتهم، وهو الجزء الذي أحجم «نعيم بدوي» و«غضبان رومي» عن ترجمته بما يجعل عملنا أوّل نقل له إلى اللّغة العربيّة.
أسباب ترجمة المقتطف:
لماذا غضّ بدوي ورومي النّظر عن ترجمة هذا الملحق بينما ترجما كامل القسم الأوّل من الكتاب المخصّص للجانب الوصفي للصّابئة ؟
إنّ تركيز دراور في هذا الفصل على وصف أساطير الخلق والطّوفان عند الصّابئة بما تضمّنته من إشارات إلى الملائكة بوصفها الأرواح السّاكنة في الكواكب والنّجوم والمتحكّمة في مصائر العالم، من شأنه تذكير جيرانهم المسلمين بذاك «الاتّهام» القديم الذي أشارت إليه مصادر التّراث العربيّ بخصوص رميهم بعبادة الملائكة والتقرّب إلى النّجوم. ومن هنا، فقد يكون التخوّف من ملاحقتهم بوصفهم طائفة غير مسلمة أحد دوافع سكوت المترجمين رومي وبدوي عن الملحق، بل وعدم الإشارة إلى وجوده أصلا. و لعل أهميّة ترجمتنا لهذا الملحق تكمن في كونها ستثري مكتبة تاريخ الأديان وستمنح الباحث العربي نصّا جديدا لتطبيق منهج الأديان المقارنة، بالإضافة إلى الإسهام في فهم أفضل للصّابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن، واعتبرهم معظم أهل التّأويل من المفسّرين من «أهل الكتاب». والمترجمان ينوّهان إلى أنّ اهتمامهما بهذا المقتطف لا يستهدف سوى الاستفادة من التّراث الصّابئي المندائيّ بوصفه أحد روافد موروثنا الثّقافي، وهو ما لا يمسّ العقيدة المندائيّة في شيء ولا يقود إلاّ إلى مزيد الاهتمام بها من خلال إبراز دورها في بلورة بقيّة العقائد التّوحيديّة في المنطقة العربيّة القديمة مع احترام أتباعها والدّعوة إلى حمايتهم ممّا يتعرضّون له من تعدّ وتهجير قسريّ في ظلّ الاحتلال الأمريكي للعراق ممّا يهدّد بقصر وجودهم على إيران فحسب حيث يحظون بوضع أفضل.
***
أساطير الخلق والطوفان:
أ- الخلق:
في البدء كان «مِلْكَا زِيوا» (ملك الضّياء-م). ولمّا ظهر إلى الوجود، خلق خمسة كائنات من نور ومثيلاتها من ظلام، فأينما كان الشّكْلُ، وُجِدَت الأضداد: اليمينُ مقابل اليَسار، والشقّ الأيسر من كلّ شيء هو حصّة الظّلام، وهو الأضعفُ.
وكما كانت هناك خمس مخلوقات أُولى من نور، كانت هناك خمس مخلوقات من ظلام، وكانت أسماؤها: «أَكْرُونْ» (Akroun)(5) وهو سيّدهم، «أشدوم» (Ashdum)، «غافْ»(Gaf) وغافَانْ» (Gafan)، «هاج» (Hagh) و«ماج» (Magh) (6)، و«زَرْتاي زَرْتَانَا» (Zartai zartana)، وقد كانت «غافان» و«ماج» أنثيان تكمّلان سَيِّدَيْهِما. كما أوجدت الظّلمة الأسياد الثّلاثة لـ«السكَنْدُولا» (Skandola) (7)، وهم الذين خطّت أسماؤهم في المركب الذين يظهرون فيه على «السكَنْدُولا» (1).
إنّ «ملكا زيوا» هو أصل كلّ شيء، منه تنبع أشعّة النّور والحياة ويمدُّ بها الشّمس والكواكب من خلال أربعة ملائكة يسكنون نجمة الشّعرى العبور، وهم: «أَرْحُوم حيّ» و«زِيوْ حيّ» و«عين حيّ» و«شُوْم حيّ» أو «سَامْ حيّ»(2 )، ومن هؤلاء الأربعة جاءت قوّة «شامش» وحياتُه.
هوامش الفقرة (أ) حسب ما يرويه اليالوفا (طالب العلم الذي يتقن اللّغة المندائيّة – م):
(1) الشّعار.
(2 ) أرحوم حيّ (حبّ الحياة)، عين حيّ (منبع الحياة)، زيو حيّ (مجد اللّه) ، شوم حيّ (اسم الحياة) أو سام حيّ (خلق الحياة).
***
ب- الخلق والطّوفان:
يؤمِنُ المِندائيُّون بالخالق الأعظم «أَلَهَا» وقد فَوَّضَ حُكْمَ العالم المادّي، وهو عالم اللاّحقيقة، وجميع ما يتعلّق بمخلوقاته إلى مساعديه (الملائكة) أي أرواح القوّة والنّقاء الّتي خلقت عندما لفظ القادر على كلّ شيء أسماءها. أمّا عدد هذه الكائنات (1)، فهو ثلاثمائة وسِتُّونَ، وأهمّها «مارا د ربوثا» (Mara d Rabutha) ربّ العظمة، لكن «هيِبِلْ زِيوَا» هو الكائن الإلهي الأكثر اتّصالا بهذا العالم (2 )، فهو خالق هذا العالم الأرضي المظلم المسمّى «أرا د تيوال» (Ara d Tiwel)، كما إنّه أيضا خالق عالم النّور المسمّى «مْشُونِي كُشْطَهْ» (Mshuni Kushta). فقد أحضر «هيِبِلْ زِيوَا» امرأة اسمها «رُوحيّا» (Ruhayya) أو "الرّوحا" من الأرض السّابعة من عالم الظّلمة السّفلي، وكانت حَامِلاً، وصعد بها إلى الأرض الأولى حيث تركها عائدا إلى «مْشوني كشطه» ليعلن ما قام به. وفي أثناء غياب «هيِبِلْ زِيوَا» الذي دام آلاف السّنين، أنجبت «رُوحيّا» مَسْخا ضخْما اسمه «عُورْ» (3) (8). وما أن نزل من بطن أمّه حتّى سألها: «لماذا نحن وحدنا في هذا العالم ؟». فأجابته بأنّ والدهُ كان مَلاكا اسمه «أَشْدُوم» وأنّ له كثير من الأقارب من بين الملائكة. وقد كَانَ «عُورْ» بالغ الضّخامة، فَصَاحَ صَيْحةً اهتزّت لها عوالم النُّور، وعندها نزل «هِيبل زيوا» مِنْ «مْشُوني كُشطه» ليجد أنّ «رُوحيّا» قد أعطت ابنها «عُورْ» منظارا يطالع مِن خلاله أقاربهُ في عالم النُّور. وبما أنّ «هيِبِلْ زِيوَا» كانَ يَلْبس قناعاً طلسَمِيًّا يخفيه عن الأنظار، فقد تمكّن من أخذ المنظار من «عُورْ» دون أن يحسّ به، ثمّ قبض عليه وسَجنه أسفل «أرا د نَحَشَا» أي أرض النّحاس(4 ) بحيث كانت العوالم الطّبيعية السّبعة فَوْقَهُ. وهناك لحقت به أمّه لتصير زوجته وتنجب منه سبعة أبناء أسكن «هِيبِل زيوَا» كلاّ منهم كوكبا. فالكواكب السّبعة من خلق الله، وفي كلّ منها روح، وهي تسمّى: «شامش» (الشّمس)، «سين» (أو «سيرَا») (القمر)، «نِيرَغ» (المرّيخ)، «بِل» (المشتري)، «أَنْوُو» (عطارد)، «ليبات» (الزُّهَرة)، «كيوان» ؤزحل). ثمّ أنجبت في البطن الثانية البروج الفلكيّة. إنّ الكواكب هي التي تتحكّم في عالم الظّلمات هذا، فـ«نيرغ» هو الموكّل بالحرب، و«أَنْووُ» بالمعرفة والحكمة، و«ليبات» بالحبّ والإبداع. فالكواكب هي بمثابة المراكب الّتي يقودها المَلاَئِكُ. وفي قارب «شامش» رَايَةٌ يخرج منها نور الإله، لأنّها تعكِس أشعَّتَهُ كي تضيء العالم. هكذا نشأ عالم النّور وعالم الظُّلمة، عالم الحقيقة وعالم الباطل.
ثمّ شقّ «بْثَاهِيل» بأمر من والده «هيِبل زيوا» السّماء وجعل الأرضَ رطبة وأجرى فيها العيون والأنهار وأرسى الجبال وخلق الأسماك والعصافير والأزهار وبذورها وجميع الحيوانات، من أجل «آدم» وذرّيته. وحين نظرت «أباثُر» وابنها «بَثاهيل» إلى جَسدَيْهما بتفكّر، نشأ جسد «آدم بَغْرَا» (آدم الطّبيعي)، وخلقت من ضلعه زوجته «حوّاء». ومثلما كان هناك «آدم بغرا» و«حوّاء بغرا»، كان أيضا «آدم كسيه» و«حوّاء كسيه» (آدم وحوّاء الخفيّان).
هؤلاء وذريّتهم عمّروا عالم «مشوني كُشْطَهْ»، فقد أنجب «آدم» ستَّة أَبْنَاءٍ، ثلاثة أولاد وثلاث بنات. وكان اسم الأولاد الثلاثة: «آدم» و«شيثل» و«آنوش». تزوّج «آدم بن آدم» امرأة من عالم أولاد الظلام، من العالم الذي كان يسكنه «الشبياحي»(5 ) وهم أبناء السّواد والظّلام قبل خلق «آدم». ومن هذا القران جاء أبناء الظلام، أولئك البشر الذين ليسوا مندائيّين، لأنّ المندائيّين هم أبناء «آدم بغرا» و«حوّاء كسيه». أمّا ابنا «آدم» الآخران (شيتل وآنوش) فقد اتّبعا التّعليم الذي لقّنه «هيبل زيوا» لأبيهما، فقد علّم «هِيبِل زيوا» «آدم» أسرار الحياة وأعطاه الكتب المقدّسة، كما علّمه الفنون والزّراعة والكِتابة.
هوامش الفقرة (ب): رواها أحد الكهنة برتبة «كنزفره» في جمع مختلط من الأغيار ولهذا استخدم لفظ «ألها» اسما للكائن الأعلى والحال أنّ هذا المصطلح يدلّ على روح الشرّ في الممارسات المندائيّة الرّامية لطرد الشّياطين.
(1) يعطي سُيوفي نفس هذا الرّقم. لكن «الكِنْزا ربّا» تقول أنّ المَلاَئِك والأُثْرِيُّينَ لا يُحْصَى لهم عدد. والرّقم 360 هو عدد الأيّام في التّقويم السّنوي المندائي.
(2) هذا تصغير لاسم «الرّوحا» في جنوب العراق (قرب الجزيرة)، وهو الاسم المُفضّل في الاستخدام عندهم.
(3) «عُور» هو الثّعبان الضّخم أو تنّين العالم السّفلي الذي يحمل العالم المادّي. السّماوات السّبع فوقه، وعوالم الظّلمة السّبع تحته. يطلق من فمه ريحا ناريّة وجوفه مرّة من نار ومرّة من ثلج. وتقيم الأرواح الدّنسة التي تستحقّ تطهّرا خفيفا في «المطراثة» في القسم الأسفل من بطنه، ومن بين هؤلاء عديمي الإيمان. وتحيل حكاية زواجه من أمّه والذريّة النّاتجة عن نكاح المحارم ذاك أي الكواكب ثمّ البروج الفلكيّة على أساطير التّنانين الآسيويّة إذ تتكرّر بعض الخصائص في جميعها، وهو ما وضعتُ جدولا بشأنه(انظر أسفل هذا). وقد يكون معنى الاسم «النّور»، إلاّ أنّ ليدزبارسكي يرى في كلّ من «عُورْ» و«روحا» إلها نورانيّا ساقطا مع أمّه المعشوقة. أمّا «خوالسون» (Chwolson)، فيقترح اشتقاقات عديدة تقترب من تصوّر المندائيين لـ«عُورْ»، فيشير إلى أنّ لفظ «Uru» في السّنسكريتيّة مثلا يستخدم بمعنى «عظيم»، كما يقول في الصّفحة 86 من كتابه (Die Ssabier und der Ssabismus, Petersbourg, 1856) : «نجد لفظ آر (أو: أور) في اللّغات الساميّة بمعنى النّار والقوّة»، ويظهر «عور» على عدد من الصّور والرّسوم، وقد تضمّن كتابي الحامل لعنوان «العراق» (الجزء الأوّل، الفصل الثاني) صورة رسم نقلته عن «ديوان أباثر» يبيّن حجم «عُورْ» لكن دون أن تظهر فيه خصائص التنّين. ويبدو «عُورْ» في «السَّكَنْ دُولَهْ» في شكل ثعبان (انظر الرّسم المصاحب للمقال – م)، وأنا أقدّم هنا رسما مندائيّا له لكن ليس في شكل ثعبان دون أيد أو سيقان كما جاء وصفُه في «الكِنْزَا ربّا»، بل في شكل عِضَاءَةٍ. وجاء التّعليق على الصّورة كالآتي:
«إنّ العوالم الّتي تمتدّ في مؤّخرة (العِضَاءة) عَدَدُها سبعة وهي المطراثات السّبع. إنّ مطراثة شامش هي المكان الّذي يذهب إليه شامش (الشّمس) عندما يغرب ويحلّ الظلام. أمّا في جوف «عُورْ»، وهو من نار، فهناك ماء أسود، أو زيت يولّد نارا في شكل لهبٍ. وتحت الماء الأسود سبع طبقات من الأرض الّتي تشبه النّحاس، وتحتها ذُرِيَّةُ «عُورْ»: سَارْجِي سَارْجَانِي، هَاجْ ومَاجْ، غاف وَغافان، أَشْدُوم وأعظمهم أَكْرُون».
(4) أَرْضُ النّحاس: جاء في «ديوان أباثر» أَنَّ طبقات «عَالَمِ الظَّلام» سِتٌّ: «الأولى من نحاس، والثّانية من حديد وأخرى من قصدير، وأخرى من فولاذ، وأخرى من فضّة». ويُفسّر «الكنز ربّا» أَنَّ المقصود من الطّبقة الأولى هو الطّبقة السُّفْلى، ويرتّبها على التّوالي: نُحَاس، حديد، نحاس أصفر، فولاذ، ذهب، فضّة، تراب.
(5) شبياحي (الجمع: شيبياحيا): مهما كان معنى الكلمة في الأصل فإنّ ليدزبارسكي يترجمها بلفظ «كواكب» مفترضا أنّها ذاتها عبارة «شبعه أحياء shaba ahia» أو الإخوة السّبعة وهي عبارة تُستعمل حاليّا لوصف ما يطلق عليه العرب اسم «الجنّ». وهناك من أخبرني أنّ الكلمة قد تكون مشتقّة من لفظ (شَبِيحَا) السّريانيّ وجمعه شبيحون (شبيحايَا) أي المُقَدَّسُونَ. وقد يعني ذلك الأرواح الطاهرة أو الحميدة، وربّما مع الاستعمال تطوّر المعنى ليصبح الأرواح في كلّ الحالات أي الطيّبة والشرّيرة على حدّ سواء. وقد وجدت في لُفَافَةٍ طويلة تمكّنت من حيازتها وهي في وصف الكون قبل خلق عالم الأرض: «ومن تلك المياه السّوداء تظهر أشياء سيّئة : منها تأتي آلافُ آلافِ الأسرار، وعشرة آلاف شبيحيا». وعادة ما يكون الشيبياحي قُوّةً هَدَّامةً تجلب معها الموت، لكنّ بيت الشيبياحي الذي يظهر للأطفال أو يبحث عن ملاذ عند البشر على شكل أرانب بيضاء، هو غالبا غير ضارّ بل وقد يكون طَيِّبا. وهذه صورة رسمها هرمز لـ«عُورْ»:
(أنظر صالة العرض أسفل النص)
ومن المندائيّين من يرى أنّ الدّين ينتمي إلى منطقة الزّيت، وخاصّة مشهد العالم السُّفلي: القار وهو يُخرج الفقاقيع ويَغْلي، النّار وقد احتدم سعيرها، الحَمَأَ الأسود، الماء الأسود المتعفّن، (الزّيت أو النّفط الخام)، والماء الصّافي الّذي لا يمكن أن نشربه (نابثا –naptha ). جاء في الكِنْزَارَبَّا: «كان الماء على السّطح والمياه السّوداء أسفله»، و«القار والزّيت هي جوفُ العالم السُّفلي». انظر: الكِنْزَاربّا، التّسبيح السّادس، الكتاب الثاني عشر.
جدول مقارن للأساطير التي تظهر فيها التّنانين في آسيا الوسطى:
(أنظر صالة العرض أسفل النص)
***
ج) خلق الإنسان:
حاولت «روحا» أن تصنع مخلوقا بمعيّة «بثاهيل»، وحين انتهيا كان شبيها بالإنسان، غير أنّه كان يمشي على أربع وله وجه قرد ويُصدر أصواتا كأنّما هو نعجة. لم يفهما (الأمر)، وذهبا إلى «بيت الحيّ» يشكوان فشلهما، فقال لهما: «سوف أرسل إليكما هيبل زيوَا»، فجاءهما وكانت الرّوح في يده.
وحين رأت الرّوح «آدم» انزعجت وقالت مذعورة: «كيف ؟ هل سأقيم في هذا اللّحم والدّم، بيت الفساد هذا؟ٍ». فقال «هيبل زيوَا»: «هل ترفضين أمر بيت الحيّ؟ٍ». قالت الرّوح: «لن أقبل بالأمر إلاّ إذا تحقّق شرطي، وهو أن يوجد في هذا العالم مثيل لجميع ما في عالم النّور: من أزهار، وأشجار ونور وأيّار(الهواء الصّافي)، وماء جار (يَرْدَنَا) وتعميد وكهنة، كلّ شيء كما في العالم العلويّ».
وعاد «هيبل زيوَا» فأَبلغَ «بيت الحيّ»… ولم يفتح (باب عالمه)، لكنّه تكلّم ووعد أنّ «بيت الحيّ» سيمنح الرّوح كلّ ما طلبت. وهكذا دخلت الرّوح (نيشمته) جسد «آدم»، فقام وتكلّم. ثمّ علّمه «هيبل زيوَا» القراءة والكتابة وطريقة التّزاوج ودفن الأموات وذبح الأضاحي، ولقِّنه جميع العلوم. وقد شَهِدَت «الرّوحا» ذلك وتمنّت لو كان لها نسل من صُلبها، لو كان لها ذريّة وأهل. (لهذا) أخذت «الرّوحا» شاةً فنحرتها وصنعت من جلدها طَبْلاً ومن عظامها مزمارًا، ثمّ غنّت ورقصت مع أبنائها السّبعة (الكواكب). وذهبت «الرّوحا» إلى «آدم بن آدم» وقالت له: «تعالَ وسَلِّ نَفْسَكَ معنا» فذهب. وكان سبق أن جعلت «ليبات» (الزُّهَرة) نفسها تبدو امرأةً جميلة، فأخذها «آدم بن آدم» وأصبح أباً لِطِفْلٍ. وكذلك فعلت «الرّوحا»، فقد تنكّرت بدورها في شكل «حَوَّا» وذهبت إلى آدم فذهب معها إلى الماء (أي للاغتسال بعد المعاشرة). و حين لاموه بعد ذلك قائلين: «ألم تَرَ كيف كانت ضخمة في الماء؟»(1) أجاب بأنّه لم يفطن لذلك لأنّها سحرته. إنّ اليهود هم أبناء « الرّوحا » و«آدم». كان رجالهم العِظام أبناء « الرّوحا »، فـ«موسى» هو «كيوان» (زحل) و«إبراهيم» هو «شامش» (الشّمس)، و لقد سافر اليهود طويلا إلى أن وصلوا إلى «أُورْشليم» (القدس) وقد سمّوها «أُهور شالام» بمعنى «الطّريق اكتملت». وقد أرادوا الحصول على كتب فقال «مِلْكَا د نْهُورا»: «يجب أن يُكْتَبَ كِتَابٌ لا يوقِع الشّقاق في صفوف المندائيّين»، وأرسل مَلَكًا هو «طاوُوس مَلْكَا» لِيَكْتُبَ التّوراة (العهد القديم). وبما أنّه لم يكن لليهود كهنَةٌ، فقد ألقى «أَنُوشْ أُوْثْرَا» نُطْفةً في نهر الأردن، وحين شربت منه امرأة يهوديّة حَملَتْ وأنجبت في الحين ثلاثمائة وخمسة وستّين كاهنا. كما شربت «إِينوش في» أيضا من ذلك الماء وأنجبت بعدها «يَحْيَ». وقد عُمِّدَ جميع الرّجال الّذين وُلدوا من تلك البَذْرَةِ الّتي زُرِعَت في نهر الأردن وغدوا كَهَنَةً.
هوامش الفقرة (ج):
(1) الرّاوي كاهن، إلاّ أنّ روايته لا تستند إلى أيّ مرجعيّة، فهو يصوّر «حوّاء»، ضخمة الجسم كما تصوّرها الثقافة العربيّة الشّعبيّة. وتوجد رواية أخرى لقصّة الرّوح (عن هرمز) جاء فيها: «إنّ أشجار وثمار عالم النُّور تُشبه تلك الّتي نجدها على الأرض. وعندما أُخِذَت الرّوح من «مِلْكَا زِيوَا» (مملكة النور) وكانت مثل كرة من نور، حملها «هيبل زيوا» بين يديه إلى «آدم»، وحينها بَكَت قائلة «لماذا تحملني إلى مملكة الظُّلمة؟ لن أذهب». فقال: «إنّه أمر اللّه، يجب أن آخذك، ولكن سيكون على الأرض أشجار وأزهار وثمار كما في عالم النّور».

من اين اتى الحقل المغناطيسي للارض




 

الحقل المغناطيسي للارض يشبه الى حد بعيد الحقل المغناطيسي الناشئ عن قطعة من المغناطيس، ولكن كلا المغناطيسين لهم بنية مختلفة. في قطعة مغناطيسية فإن الذرات، ذات اتجاه واحد، ومع بعض يخلقون الحقل المغناطيسي. إذا قمنا بتحمية قطعة المغناطيس، تنشأ فوضى وينتهي ان يكون للذرات اتجاه واحد فتففد القطعة مغناطيسيتها. هذا الامر يحدث عند وصول الحرارة الى درجة 80 مئوية، وتسمى نقطة كوري Curiepnkten.

حرارة بطن الارض تصل الى بضعة الاف من الدرجات المئوية، ومن الواضح ان المغناطيسية الارضية لايمكن ان تكون قائمة على نفس المبدأ كما في قطعة المغناطيس. مغناطيسية الارض تأتي من التيارات المغناطيسية الصادرة عن نواة الكرة الارضية والتي بدورها تتكون من طبقتين: داخلية صلبة من الحديد والنيكل يعلوها قسم معدني سائل.

لانعلم من اين حصلت الارض على حقل مغناطيسيتها الاولي. من المحتمل ان تكون قد حصلت عليه من الشمس، ومن المحتمل من المادة الاولى التي نشأت الارض عنهم. ولكننا نعلم كيف تمكنت المغناطيسية من البقاء والاستمرار عبر ملايين السنين.

القسم السائل من النواة يشكل تيارات من الحديد المنصهر يصعد الى الاعلى ليبرد ليغوص من جديد الى الاعماق لترتفع حرارته. الحديد مادة ناقلة للكهرباء، وحسب قانون Electromagnetic induction ينتج التيار الكهربائي عندما يتحرك جسم موصل في مجال مغناطيسي. هذا التيار يخلق حقل مغناطيسي وبدوره يقوم بخلق كهرباء. بهذا الشكل يبقى الحقل جاريا.

بفضل القمر الصناعي الدانماركي Örsted نملك اليوم معلومات اكثر عن اعماق الارض بالمقارنة مع معلوماتنا قبل خمسة عشر عاما. اليوم نعلم ان القسم الخارجي من نواة الارض يقوم بإنتاج مابين 6-8 دورة من دورات حركة تيار المصهورات والتي تقوم بخلق المجال المغناطيسي. لهذا السبب من المنطقي تماما ان الحقل قادر ان يغير اتجاهه وقوته بسرعة كبيرة نسبيا.

حاليا الحقل المغناطيسي للارض في طريقه ان يضعف بصورة كبيرة والاقطاب المغناطيسية تغير اماكنها بسرعة تصل الى حوالي 10-50 كيلومتر في السنة. هذا التغير في اتجاه الحقل المغناطيسي وشدته يشير الى ان الاقطاب المغناطيسية للارض ستتغير، وهو امر ليس بجديد إذ حدث مرار في العصور السابقة للارض.

لابد انك لاحظت ان عدم ثبات الاقطاب المغناطيسية يعني بالضرورة اختلاف موقع الاقطاب المغغناطيسية عن موقع الاقطاب الجيلوجية الثابتة، هذا الاختلاف او الانحراف يسمى declination, وهناك خارطة توضح التغيرات التي تحدث على القطب المغناطيسي بالمقارنة مع القطب الجيلوجي. عند العواصف الشمسية يمكن للانحرافات ان تزداد مؤقتا خلال بضعة ايام، لتصل من درجة واحدة الى اربعة درجات مقارنة بتغيير طبيعي سنوي مقداره مابين 0,1-0,2 درجة.

وعلى الرغم من ان الحقل المغناطيسي للارض يصدر ويصان بالدرجة الاولى من لدن التيارات الكهربائية للنواة المعدنية للكرة الارضية ، إلا ان العلماء لاحظوا عوامل اخرى يمكن ان يكون لها دورا في عملية خلق وبقاء الحقل المغناطيسي. هذه العوامل هي المواد المغناطيسية الموجودة في القشرة الارضية والجزيئات المتحركة في الفضاء.

مالذي سيحدث عندما ستتغيير مواضع الاقطاب المغناطيسية؟
الاقطاب المغناطيسية تبدل مواقعها دورياً، وهذا الامر يحدث على مدى من بضعة الاف من السنوات الى بضعة ملايين. في المرة الاخيرة حدث ذلك قبل 780 الف سنة، ولكن لانعلم متى سيحدث ذلك لاحقاً، ولكن من المؤكد انه سيحدث على كل حال. حاليا نشاهد ان الحقل المغناطيسي للارض يتوجه نحو المزيد من الضعف، وموضع القطب المغناطيسي يتجول بسرعة، تحديدا 40 كلم سنوياً. إذا كان هذا الامر يدل على تحول في مواضع الاقطاب المغناطيسية فإن ذلك، في احسن الاحوال، سيؤدي الى خسائر بالمليارات وفي اسوءها سيؤدي الى موت الكثير من البشر.

تحول مواضع الاقطاب المغناطيسية يجري على مدى بضعة الاف من السنوات، وهي التحولات التي تؤدي الى إضعاف الحقل المغناطيسي على الدوام حتى تصل الى نقطة القعر ليبدء التحول صعودا بعد ان تكون الاقطاب قد انتقلت الى مواضعها الجديدة. غير ان حقل مغناطيسي ضعيف، خلال مرحلة الانتقال، سيعني ان العديد من الاقمار الاصطناعية ستتضرر لفقدانهم حماية الحقل المغناطيسي ضد الاشعة الكونية. إضافة الى ذلك ستتضرر كافة مناحي الحياة التي تعتمد على ارسال المعلومات الالكترونية، بما فيه النشاطات الاقتصادية، إذا لم يتم العثور على طرق جديدة للحماية. والاسوء ان الاشعة الكونية ستتمكن من الوصول الى الارض بغياب الحقل المغناطيسي، الامر الذي سيعني اضرار في المنظومات الكهربائية. ولكن ذلك سيعني ايضا اننا سنتمكن من رؤية الشفق الشمالي، وهي جسيمات صادرة عن الشمس تنطلق بفعل الانفجارات الشمسية وتحملها الينا الرياح الشمسية. من مختلف انحاء الكرة الارضية، عند وصولها الى الارض لن يكون هناك الحقل المغناطيسي ليحرفها عن مسارها ويبقيها في حدود منطقة القطب، فنرى اشكالا خضراء او حمراء او زرقاء تتراقص في السماء.

علاقة الوزن بمغناطسية الارض يظهر للبعض الغرابة في ان يكون وزن المرء عند خط الاستواء اقل من وزنه عند القطب. هذا الامر بسبب ان الارض عند خط الاستواء تبتعد عن مركز الارض بمقدار 14 كيلومتر بالمقارنة مع بعد سطح الارض عن المركز عند القطبين تطبيقا لقانون
قوة جاذبية الأرض للجسم, يتغير بالابتعاد عن سطح الأرض في حين أن كتلة الجسم تبقى ثابتة.

W = m g

هذا الامر يجعل تأثير جاذبية الارض اقل على الاجسام عند خط الاستواء. في ذات الوقت فإن سرعة دوران الارض عند خط الاستواء اكبر من سرعتها عند القطبين، مما يؤدي الى نشوء قوة الطرد المركزي وتعادل قوة الجاذبية، حسب نيوتن الثالث. مجموع هذه العوامل تؤدي الى ان الجاذبية اقل بمقدار 0،3% عند خط الاستواء، مما يعني ان الشخص الذي وزنه 70 كيلو غرام يكون وزنه اقل بمقدار 200 غرام في نيروبي بالمقارنة مع ستوكهولم.

وبالتاكيد من الواضح تأثير الجاذبية على مقدار الوزن على الاجسام الصغيرة، فمثلا وزنك سيكون اقل على القمر او الزهرة من وزنك على الارض لان كوكب الزهرة يملك جاذبية اقل. وطالما ان الجاذبية هي التي تقرر وزن الاجسام الصغيرة فما الذي يقرر وزن الارض؟ نعلم ان الارض وزنها 6*1021 طن. هذا الرقم تم التوصل اليه من خلال اخذ سرعة الارض في مدارها واستخدام معادلة نيوتن لتأثير الاجسام على بعضها. F( نيوتن) = m(كغم) aم / ث 2

رؤية في استراتيجية الهيمنة الاميركية و دراسة علاقتها بازمة 2008 المالية

موضوع اليوم قراءة في طبيعة الآلية الاقتصادية – العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة الاميركية في تعاطيها مع مجريات العالم المعاصر انطلاقاً من رؤية صانعي القرار فيها لما يعرف بالحقبة الاميركية ، هذه الاستراتيجية التي بدأت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ارتطمت بعوائق كان لابد للاميركان من ازالتها بسيناريوهات عدة لاجل الوصول للحلم الاميركي ..
موضوع اليوم يركز على هذه العوائق وسيناريوهات تعامل البيت الابيض معها وفق رؤية فاحصة ودقيقة لمجريات الاحداث خصوصاً بعد احداث سبتمبر 2001 وما يعرف اليوم بالربيع العربي .

(1)

حكومـــة العالــم الاميركية وهيمنـة الدولار

معظم سلع وحاجيات العالم الاستهلاكية تنتج حالياً في آسيا بوجه عام والصين على وجه الخصوص ...
لكنها تنزل للأسواق " العالمية " مسعرة بالدولار ، لتؤول واقعية التحكم غير المباشر بها للحكومة الاميركية !
نحن نعلم بصورة بديهية ان ما يسمى " الدولة " هي التي تتحكم بالقوات المسلحة وتفرض الامن والقانون ، ولعل صورة القوات المسلحة ونوعية سلاحها هي اول ما تطرأ على اذهاننا ..
ننسى دائماً ان هذه الدولة هي نفسها التي تسك " العملة النقدية " الوطنية وتشرف على طباعتها ..
بالتالي ، اهم ما لا نشعر به في العادة هو إن الولايات المتحدة الاميركية عبارة عن " نصف حكومة عالمية " تشرف بشكلٍ مباشر على التحكم وطبع العملة النقدية الدولية التي تسمى " الدولار " وقد ساعدتها الحربين العالميتين الاولى والثانية في القرن العشرين لتكون " نصف حكومة " عالمية لها نفوذ على اي دولة واي شعب في هذا الكوكب عبر سيطرتها على عملة التداول الدولي (الدولار) بعد انهيارات دراماتيكية في الاقتصاد العالمي ذو المركزية الاوربية السابقة ..
لا ينقصها اليوم لتكون حكومة عالمية كاملة وليست ناقصة إلا " تدميــر " جيوش العالم الاستراتيجية ذات القدرة على خوض الحروب عبر القارات وتحويلها إلى ما يشبه اجهزة شرطة اقليمية أو ما يمكن ان نسميه " الجيوش المشلولة " ، ليبقى الجيش الاميركي هو الجيش الوحيد القوي في العالم وهو ما تحاول العمل عليه بشكل تدريجي في الدول التي تقع تحت سيطرتها ..
عند ذلك فقط ، يمكن اعتبار الولايات المتحدة نفسها حكومة العالم الوحيدة حسب طموح صانعي القرار في البيت الابيض بما يسمونها الحقبة الأميركية American Epoch ..
لكن لم يحن الوقت بعد ، هي لا تزال تعمل وبشكل ممنهج على إضعاف الجيوش العالمية التي تنضوي تحت سيطرتها في اوربا الشرقية والبلقان وآسيا الوسطى وعموم اوربا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 ، حينما اعلن بوش الاب ان القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً اميركياً ..

(2)

إن ما تفعله اميركا بشكل منهجي في الدول التي احتلتها كألمانيا واليابان والعراق وافغانستان والدول التي تهيمن عليها مثل دول الخليج ، ورغم كل الفوارق الكبرى التي تميز بينها ، لكن المشترك بينها جميعاً هو دفع الاميركان لهذه الحكومات إلى بناء انماط من هذه الجيوش المشلولة التي لا يمكنها التأثير خارج حدودها الوطنية ..
وعلى سبيل المثال ، ما يسمى بالجيش العراقي والافغاني اليوم عبارة عن شرطة محلية مزودة ببعض الاسلحة الحربية الثقيلة ، لكن ، لا يسمح بالتزود بالأسلحة الاستراتيجية التي تجعل منها جيوشاً كبرى يمكنها ان تحوز على ثقل جيو استراتيجي في محيطها الاقليمي ..
كذلك في اليابان والمانيا ، رغم محاولة هذه الدول الصناعية الكبرى تحويل جيوشها إلى استراتيجية " كونية " لكن الولايات المتحدة عبر قنوات تحكم صارمة تمنعها من ذلك ..
واكثر من هذا ، هي اليوم تنشر مشروعها هذا تحت غطاء الديمقراطية في المنطقة بعمل منهجي لتدمير الجيوش العربية منذ تدمير الجيش العراقي في 1991 و الجيش الليبي في 2011 والعمل على تفكيك وتحطيم الجيشين المصري والسوري اليوم .. وصولاً للجيش الايراني والكوري الشمالي ( حسب الاستراتيجية المعلنة ) ومن ثم تتفرغ للصين قبل ان تدخل في مواجهة سياسية اقتصادية وعسكرية لو تطلب الامر مع روسيا في نهاية المطاف ..
( وفق الاجندة غير المعلنة التي تشير لها وقائع ما يجري على الساحة السياسية الدولية ) .
الجماهير العربية الثائرة باتت اليوم وقوداً وسلاحاً لتحقيق مشروع الحكومة الاميركية العالمي الغامض غير الواضح .. الذي تقوده نخبة المال المهيمنة على الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبر سيطرتها على عملة التداول الدولية " الدولار" والتي تمول المنظمات الدولية التي ترفع شعارات حقٍ ( حقوق الإنسان ) يراد بها باطل الهيمنة ببناء نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة ..

(3)

تمتلك الدول بصورة طبيعية مجهودات العمال والفلاحين وما ينتجوه بصورة تلقائية عبر تحويلها لقيمة انتاجهم إلى (عملة نقدية ) وطنية محلية التداول ورقية صادرة بموجب القانون ، ويتم تداولها في الاسواق ..
نتذكر هنا ما قاله صدام حسين سابقاً عن كلفة مشروع " الجسر ذي الطابقين " بانها لم تكد تساوي سوى بضعة كيلوغرامات من الاوراق وبضعة ليترات من الحبر ( المطلوب لطباعة العملة النقدية ) ..
الولايات المتحدة الاميركية تتحكم وتمتلك بصورة طبيعية مجهودات كل عمال العالم ، لأنها وبنكها الفيدرالي الاميركي والبنوك الاوربية المنضوية تحت هيمنته هي المالك الحقيقي للمنتجات الصينية والآسيوية " المصدرة للعالم " ما دامت بقيمة سعرية دولارية ..
لا توجد من ناحية عملية ، وقبل ازمة 2008 المالية العاصفة ، اي تهديدات على المدى القريب على " الدولار " وفق هذه الدينامية في بنية الاقتصاد العالمي ..
كانت ستبقى الولايات المتحدة في صدارة الاقتصاد العالمي رغم انها لا تنتج اغلب سلع وحاجيات العالم لان صنبور الضخ والتحكم النقدي الدولي بين ايديها ..
إلا أن مشكلة النخبة المالية العالمية هي " القلق " والخوف من تغول الصين وعودة المارد العسكري الروسي من القمقم ، إضافة لتنامي الدور الايراني في منطقة الخليج ، العصب الاهم الذي يعوم الدولار كعملة كونية بسبب نفوذ الشركات البترولية الانجلوسكسونية هناك .
هذه كلها ، جعلت الاقتصاديين الأميركيين يفكرون كثيراً في طريقة تستعيد بها الولايات المتحدة مركزيتها كدولة انتاج وتصدير وليس فقط كدولة مالية تتحكم بالعملة الكونية الاساس .

(4)

اسباب قلق الاقتصاديين وصانعي القرار الغربيين تتلخص بالآتي :

1- الوقت يمر بسرعة قبل ان يتمكن المشروع الاميركي بدعم الديمقراطية من الوصول إلى غاية تحويل الشرق الاوسط وآسيا الصغرى إلى كيانات مقسمة من دول غير قادرة على تحريك جيوش يمكنها إنجاز حروب استراتيجية قبل العام 2020 , حيث تصبح الصين قوة عالمية عظمى تصعب مواجهتها اقتصادياً وعسكرياً .

2- ذلك بالنسبة لعودة المارد الروسي للاستفاقة ، اذ بدأت روسيا تحريك سياسات اقتصادية و تعاونات اقليمية وامنية مع دول الاتحاد السوفييتي السابق بما ينذر بتحولات تقوي روسيا ونفوذها في اوربا وهو ما دفعها لإحاطة روسيا بمنظومة الدرع الصاروخي .

3 - على الرغم من فعالية الحركات الراديكالية والمؤسسات الليبرالية المدعومة من واشنطن واروبا في روسيا والصين ، مثل الشيشانيين الانفصاليين وكذلك التيبتيين والمسلمين في تركستان الشرقية في الصين ، إلا ان هذه الحركات والتيارات ضعيفة الحراك في ظل وعي وطني قومي روسي صاعد ، ووعي قومي وطني صيني " ممتاز " مدعوم بظروف اقتصادية متنامية متطورة .

ازاء هذا كله كان لابد من التفكير بهز هاتين الدولتين ، ربما بحدث عالمي يمكنه ان يثير الاضطراب ويزعزعها من الداخل ويتيح للحراك الجماهيري والتذمر الشعبي من التزايد والارتفاع ..
فما الذي فكر به الانجلوسكسون لهز الصين وروسيا ؟
وهل فعلاً كانت ازمة 2008 مفتعلة ..؟؟

(5)

دراســة في ازمة 2008 المالية

التكهن التالي مجرد نظرية وليست رؤية جازمة موثوقة :
حينما ارتطم المشروع الاميركي المعروف بالقرن الاميركي او الحقبة الاميركية باستمرار تنامي الصين الاقتصادي وعودة نهوض روسيا كامبراطورية عسكرية وفق الصيغة المعاصرة لمفهوم الامبراطورية ، وبعد محاولات كثيرة فاشلة " لتهريب " الديمقراطية وفوضى التظاهر والانقسامات لهاتين الدولتين ، كان لابد لأميركا من ان تستخدم اهم ورقة في يدها لضرب نهوض وتقدم الصين وروسيا ..

وهي القيمة التداولية للدولار ..

وفق هذا السيناريو يمكننا ان نعيد رسم الخريطة السياسية للاقتصاد العالمي بالآتي :
الاقتصاد الاميركي اليوم قائمٌ على قرنين اثنين ، الاول هو بترول الخليج والثاني هو الدولار ..
قبلت اميركا بالتضحية باحد قرنيها ، التضحية بالدولار بحدود العام 2007 لاجل ان تبقى مهيمنة عسكرياً على الخليج للعشرين سنة القادمة ( حسب تقديراتها وحساباتها ) ..
اذ بدات الولايات المتحدة بالإلحاح على الصين لكي ترفع من قيمة عملتها اليوان مقابل الدولار ، لكن استجابة الاخيرة لم تكن إلا ضمن نطاق محدود ..
فرفع قيمة العملة الصينية مقابل الدولار من قبل البنك المركزي الصيني يقود إلى تخفيض قدرة التصدير الصيني بمقابل رفع القدرة التصديرية للولايات المتحدة ..
سعت الولايات المتحدة إلى اقناع الصين بمثل هذه الخطوة طوال السنوات التي سبقت الازمة المالية العالمية في 2008 ، اذ كان من الصعب ان تقوم اميركا بتخفيض قيمة الدولار مقابل اليوان الصيني بنفسها ..!!
السبب هو ان الدولار عملة عالمية وليست عملة محلية التداول كما هو اليوان ..
الدولار الاميركي هو مسطرة القياس التي تقاس بها بقية العملات الكونية ولا يمكن التلاعب بها ..
ولكي تخفض اميركا قيمة دولارها مقابل اي عملة فلا ينفعها ان تفعل ما تفعله اي دولة عبر اتخاذ بنكها المركزي خطوات اجرائية تحدد قيمة صرف الدولار تجاه اي عملة كما تفعل اي دولة بعملتها المحلية ..

وبلغة الارقام والبورصات ، اميركا هي الدولة الوحيدة التي لا تستطيع فعل ذلك .. إلا إذا ... خفضت القيمة التصنيفية العامة لاقتصادها المحلي برمته ، فيؤدي هذا حسب توقعات مسبقة إلى انخفاض قيمة الدولار عالمياً ..

لكن ما حدث فعلاً في ازمة الرهن العقاري الاميركية ..العجيبة .. ان اقتصاد اميركا انفجر وانهار مع هذا ، لم تنخفض قيمة الدولار كثيراً امام عملات عالمية بسبب لجوء العديد من دول العالم إلى تخفيض قيمة عملتها المحلية مقابل الدولار بما يتناسب وحجم الازمة .. وهو ما عرف لاحقاً .. بحرب العملات ..!!!

كانت حرب العملات هي الضربة القاضية غير المتوقعة التي بددت تضحيات اميركا بسمعتها واقتصادات الدول الحليفة لها ..

وهكذا ، ظهرت الازمة المالية وكانها مفتعلة من قبل شركات صناعية اميركية محلية تسعى لخفض قيمة الدولار كي توفر فرص تصديرية اكبر لمنتجاتها ..

لكن ، كيف يمكن لهذه الشركات خفض قيمة عملة دولية دون مساعدة وتدخل من الاحتياطي الفيدرالي الاميركي وكبرى البنوك في الولايات المتحدة ؟؟
فلكي تنخفض قيمة الدولار عالمياً ، يجب ان يحدث عكس ما يحدث لتخفيض عملة محلية ، اي تـُـفقد السيولة النقدية من ارض الولايات المتحدة بدلاً من زيادتها لتزيد في اكثر الاسواق العالمية نشاطاً واكثر البلدان تصديراً في آسيا .. وتحديداً الصين ..والشرق الاوسط ..

(6)

( فقدان السيولة في اميركا هو فتيل القدح في الازمة )

ولو عدنا إلى حمى تصاعد سعر البترول قبيل الازمة ( وصل إلى 140 $ للبرميل ) ، وارتفاع صادرات الصين ونمور آسيا إلى مستويات قياسية غير مسبوقة ، نفهم إن الدولار كان يتكدس فعلاً في تلك المناطق ..
وان حركة " طبيعية " للاموال ( بلايين الدولارات ) يمكن ان تحدث من بنوك الولايات المتحدة نحو الشرق الاقصى بدوافع الربح عبر الاستثمار ، ومن المفترض ان افلاس كبرى البنوك في العالم ، بنوك اميركا الكبرى ، سيؤدي إلى تخفيض قيمة الدولار بشكل سريع مقابل اليوان والين وبقية العملات ..
وهو ما يتيح للاحتياطي الفيدرالي الاميركي ان يعيد صياغة " النظام المالي العالمي " صياغة جديدة ..

كأنها ( 11 سبتمبر ) مالية جديدة يكون لاميركا على اساسها امكان صياغة العالم من جديد ..
لكن كلا الحدثين لم تفلح اميركا في ان تصيغ العالم بموجبهما صياغة جديدة ..

بدت اميركا فيهما مثل الروبوت الذي لا يفهم سوى برنامج واحد يدرك العالم من خلاله وهو :
برنامج الفوضى الخلاقة ..!
ثقة من يصنعون القرار في اميركا خلال ما اسموه الحقبة الاميركية نمت عن عدم نضج واستهتار غير معقول ..
فتوجهات النيوليبرالية وافكار ميلتون فريدمان بصب النقد في الاسواق ولو " بالهيلوكوبتر " واعتبار التضخم جزء من هيكلية النظام الراسمالي ، دخلت عليها في مطلع القرن الحادي والعشرين افكار جديدة للتحكم في نهر الدولارات الخضراء وحسرها مؤقتاً عن دولة المركز وتضخيمها في الشرق ما ادى لهذه الهزة العنيفة في رهون عقارات الولايات المتحدة التي تشكل قيمة دفترية تبلغ عشرات ترليونات الدولارات قبل 2008 ما اصاب " قيمة " الاقتصاد الاميركي الرقمية بصدع كبير لا تزال تداعياته حتى الآن ..
" ربما " اميركا هي التي اصطنعت كل هذه الفوضى في العالم لكي تستعيد مكانتها التي كانت عليها بعد " فوضى " الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي ودمار الاقتصاد العالمي ، حيث اصبحت بعدها دولة انتاج اول ( اقتصاد حقيقي ) تمتلك اكبر قوة عاملة في العالم بنفس الوقت هي التي تطبع الدولار العملة الكونية الرائجة ..
الذي حصل اليوم ان اسعار النفط عادت للارتفاع من جديد ، وهو ما يعني ارتفاع الطلب العالمي على الدولار ..
بالتالي عودة الامور إلى ما كانت عليه قبل ازمة 2008 وعودة الصين للعملقة من جديد ..
وبدلاً من ان تتحطم اقتصاديات دول مستهدفة مثل الصين وروسيا ، راحت الدول الحليفة للولايات المتحدة في اوربا والشرق الاوسط هي المهتزة المتضعضعة الاستقرار ( اليونان ، اسبانيا ، البرتغال ، مصر ، تونس ) وذلك بعد فترة وجيزة من ازمة العام 2008 ..
اذ اهتزت الاقتصادات الريعية كثيراً حتى في دولة مثل الامارات العربية المتحدة ، وكان من نتيجة هذه الصدمة ما عرف بالربيع العربي في تونس ومصر وما تلاه من ازمة سياسية في الشرق الاوسط لا تزال مستمرة ليومنا هذا ..
فقد بينا في مطلع الموضوع بان استراتيجية السيطرة تحتاج إلى تفتيت الجيوش الاستراتيجية ، وما يجري في الصين وروسيا يرسم تنامياً لهذه الجيوش رغم انها لا تكافيء مجتمعة امكانيات وقدرات " الجيوش " الاميركية ..
مع ذلك ، وجود هذين الجيشين يشكل حجرعثرة وتهديد استراتيجي حقيقي للحقبة الاميركية والقرن الاميركي ..
لهذا السبب كانت تسعى اميركا جاهدة لبناء حلف استراتيجي مع الهند وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان قبل العام 2008 لكنها لم تفلح ، ووجدت الهند متزنة في علاقاتها مع جيرانها ولم تقبل الدخول في مواجهة سياسية لنفوذ الصين ..

وكذلك فعلت مع روسيا باحاطتها بالدرع الصاروخي والحراك السياسي نحو الديمقراطية في دول الاتحاد السوفييتي السابق من اوربا الشرقية ..

(7)

لا يبدو في الافق ان اميركا تعيد امساك زمام الاقتصاد الكوني ، اقتصاد العالم منفلت من بين يديها وكذلك الشرق الاوسط ، لا يبدو انها ستتخلص من مشكلته الكبرى ( ايران الاسلامية ) قريبا لتتفرغ بشكل كامل للصين ونفوذها العسكري المتنامي وتغولها الاقتصادي الصاعد ..
اميركا عملاق كوني تاريخي في حالة سقوط ، لكن من ينظر لهذا العملاق من الاسفل ، حكام الخليج بوجه التحديد ، يتصور انه عملاق ينحني فقط ..!
هم لا يدركون بعد ان العملاق الاميركي يسقط عليهم وقريباً سيشعرون بعظم الكارثــة ..
هم لا يصدقون ان اميركا لم تفتعل الربيع العربي ، لكنها تسعى لاسناد نفسها بدول ( ما بعد ) الربيع العربي.
لا يمكن لهؤلاء الحكام استيعاب فكرة ان اميركا خسرت كل اوراقها في السيطرة على العالم ، ما تبقى في يدها اليوم فقط ورقة واحدة :
تحطيم الجيوش العربية بالكامل وتحويل حكومات وشعوب المنطقة " الديمقراطية " الجديدة إلى اكوام من البارود المشتعل الذي يزحف تدريجياً ليتجاوز اوكرانيا واذربيجان وبيلاروسيا إلى روسيا بوتن ، ويتجاوز ايران وباكستان وافغانستان إلى الصين الشعبية الشيوعية ..
الامل في " الحرية " المزيفة هو آخر اوراق الولايات المتحدة لعولمة الربيع العربي ليضرب روسيا والصين ..
لتتم من ثم إعادة صياغة العالم من جديد واستعادة اوربا والولايات المتحدة لمكانتها كدول المركز الصناعي والمالي للعالم .. ولكن هيهات !
ما سيطيل عمر هيمنة اميركا فقط هو الحكومات الهزيلة على غرار مشايخ البترول والملوك في الشرق الاوسط والتي لن تتم بشكلها النهائي المطلوب إلا بعد تدمير النظام في سورية وتحطيم جيشها ..
فالجيش المصري مشلول الحركة ، والجيش العراقي مسح من الخريطة ، لم يتبق إلا الجيش السوري.

(8)

واعيد لاكرر في مقال اليوم كما ذكرت هذا في مقالاتٍ خلت..
روسيا والصين تدركان جيداً اكثر من اي وقت مضى بأن اميركا المفلسة تعول على تصدير مفاهيم الحرية الفضفاضة عبر الإعلام الموجه للقضاء على خصومها الاستراتيجيين وتفكيك كل جيوش العالم القوية لتتحول بجيشها إلى " الحكومة العالمية " المتحكمة المقتدرة ، وان روسيا والصين اهداف مؤجلة لهذه الحرب المستعرة منذ العام 1991 حين تفكك الاتحاد السوفييتي وتحركت اميركا لبدء قرنها المزعوم بتحطيم الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية لإخراجه من الكويت ..
هما تدركان جيداً ان صمود نظام الاسد ونظام ايران الاسلامية يعني تاخير المواجهة الحقيقية مع الاستراتيجية الاميركية " اليائسة " والاخيرة لتحقيق سيطرتها النهائية المطلقة على العالم ..
سنبقى في تأمل هذا المشهد ..
مشهد السقوط المدوي للعملاق الاميركي ، سيكون حينها لذلك الحادث وما بعده حديث ..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More