|
البيئة التي تعيش فيها جماعات البطريق النبيل Pygoscelis adeliae قاسية للغاية إذ ان درجة الحرارة فيها إما منخفضة واما منخفضة للغاية، والرياح المجنونة تخترق الريش والطبقة الدهنية. وصغار البطريق يناضلون بلا رحمة، وهو امر ضروري، إذ يسمح فقط ببقاء الازواج الافضل والاعشاش الافضل. والواقع ان البطريق النبيل لايعيش في جماعات لانه اجتماعي وانما لان الجماعة هي افضل دفاع ضد الطيور المفترسة.
البطري النبيل هو اكثر الطيور شيوعا في القطب الجنوبي إذ تزيد اعداده عن العشرة ملايين. وعدا البطريق القيصر، لايوجد بطريق اخر يبني اعشاشه على خط العرض هذا.
التجمعات الكبيرة تعج بالطيور وهناك نقص شديد بالامكان الجيدة لبناء الاعشاش. وموقع العش، الذي يكون على الارض الصخرية، مهم للغاية، ويملك مواصفات لاغنى عن تحقيقها، إذ يجب ان يكون قريب من الشاطئ وجاف ويملك حماية طبيعية. والزوج الذي يملك مكانا جيدا يدافع عن مكانه بكل صلابة بالمناقير والمخالب الحادة وبكل عدائية. والمسافات بين الاعشاش لاتزيد عن 70-80 سنتم وهي المسافة الكافية لتقلي طعنة بالمنقار.
عدائية هذا النوع تجاه بعضه البعض تجعل الحياة تحدي لاينتهي. لذلك إذا لم يتمكن بطريق من الحصول على مكان لعشه قريب من الشاطئ سيعني ذلك ان عليه ، في كل مرة سينزل فيها الى البحر ويرجع منه، ان يمر بقرب مئات الاعشاش ويتلقى مئات الطعنات. ولكون من الصعب على البطريق التمييز بين ابناء جنسه بالشكل يحصل ان حتى الزوج (انثى كانت او ذكر) يحصل على طعنة عندما يعود الى العش، إذ ان البطريق يميز افضل بالاصوات. لهذا السبب نجد ان الصراخ يصم الاذان، من اجل التعرف على بعض. عندما يعود بطريق من الصيد يرخي رأسه للخلف ويبدأ بالصراخ. 200 الف بطريق يصرخون في وقت واحد. والغريب انهم يلتقطون الجواب القادم من صغارهم وزوجهم ويميزون الصوت وسط هذه الاوركسترا من الاصوات.
يعتد البيلوجيين ان السبب يكمن في مايعرف cocktail-party-effecte, حيث يجري فلترة الاصوات الغير مطلوبة واستخلاص الصوت المطلوب وحده. صوت البطريق النبيل مجموعة معقدة من الاصوات تملك موجات مختلفة، بحيث يمكن تشبيه وظيفتها مثل وظيفة الكود الخطي على البضائع. بمعنى اخر ان مجموعة صغيرة من الاصوات تخلق تنوع صوتي تعطي لكل فرد خاصته التعريفية الشخصية والمتميزة. والبطريق النبيل قادر على جعل نبرته الصوتية محددة للغاية إذ يملك مجموعتين من الحبال الصوتية. ومن التجارب نعلم ان فرخ البطريق يحتاج فقط الى ثلاثة اعشار الثانية ليتعرف على والديه من صوتهم.
الانثى تبيع الجنس مقابل الحجر
من الوهلة الاولى يمكن ان نظن ان عدائية البطريق متطرفة للغاية تجاه جميع من يقترب من عشه. العش يتكون من مجموعة من الاحجار ترفعه قليلا عن مستوى الارض. واهمية الاحجار بنفس اهمية موقع العش. والسبب ان البيئة قاسية تجعل اي اختلال ضئيل بالحرارة يكلف حياة الصغار من التجمد. إذا حصل مثلا ان الفرخ اصيب بالبلل فإنه سيكون محكوم بالموت لامحالة، ولكن الاحجار تسمح للماء القادم عن ذوبان الجليد الى التسرب وتعمل كعازل ضد البرد القادم من الارضية. لذلك ليس من الغريب ان الاحجار تحظى بشعبية كبيرة بين البطريق، بحيث انهم يتعاركون عليهم ويقومون بسرقتهم من بعضهم، ويصل الامر ان الانثى تبادل الجنس مقابل الاحجار مع الذكور الوحيدين.
|
|
والذكور ايضا ليسوا ملائكة
وكما ان الانثى لديها حيلها لتحسين حظوظ عائلتها، فإن الذكر ايضا لديه حيل في نفس المجال. نصف الذكور تقريبا يحاولون خيانة شريكتهم ، والغش في منوياتهم هو احدى هذه الحيل. البطريق النبيل هو الطائر الوحيد القادر على التحكم بخروج منوياته ليقدم، فقط، الكمية المطلوبة بدقة في عملية التلقيح. الاستراتيجية التي يتبعها البطريق هي: كمية قليلة للزوجة وكمية كبيرة للعشيقة. تعتمد هذه الاستراتيجية على حقيقة ان الذكر قد لايكون له الا لقاء واحد مع العشيقة وبالتالي فهي فرصته الوحيدة لتلقيحها والحصول على نسل منها. لذلك يمكن التضحية بكمية كبيرة في سبيل فرصة افضل مع العشيقة، في حين ان الفرص مع الزوجة كثيرة وليست احتمالا.
في نهاية موسم التلاقح تضع الانثى بيوضها، وعادة تكون بيضتين الا في المرة الاولى. والتحاليل تشير الى انه فقط نصف البيوض اشقاء والنصف الاخر من اب اخر. غير ان الاب ليس بقادر على معرفة ايهما ابناءه. ومع ذلك تذهب الانثى على الفور الى البحر لجلب الطعام في حين يبقى الذكر ليحضن كلا البيضتين. وهذه المهمة صعبة، إذ عليه ان يبقى بدون طعام وشراب، ويمكن ان يستمر الامر عشرين يوما قبل ان تعود الانثى. عندها فقط يذهب للبحر للبحث عن غذاء.
عودة الفرد الباحث عن الطعام في الوقت المناسب مسألة حاسمة لبقاء الصغار على قيد الحياة. الاب الحاضن لاقدرة له على إطعامهم ولكنه قادر على البقاء بدون طعام 57 يوما، قبل ان يسلم بالامر الواقع ويترك العش.
الافراخ ماكينة تأكل بإستمرار، وعلى الاباء تحصيل 30-35 كيلو سمك لكل فرخ منهم على مدى 50 يوما. إضافة الى ذلك يجب على الوالدين الانتباه ضد الطيور المفترسة التي تراقب المنطقة بكل اهتمام في انتظار عش بدون حراسة. وغالبا تكون الاعشاش في طرف المستعمرة هي الاضعف. والخطر الثاني يأتي من كبار البطريق، إذ انهم يقتلون الصغار الضالين.
بعد شهر يكون الصغار من الكبر بما يكفي ليسمح الوالدين لانفسهم بالذهاب مع بعض للبحث عن الطعام. غالبا يعيش فرخ واحد من كل عش. ولكن بعض السنوات تكون كارثية عندما لايذوب الثلج بسرعة مما يعني ان الوالدين سيحتاجون الى وقت طويل لعبور 10 كيلومترات للوصول الى الشاطئ، مما يؤدي الى موت الكثير من الصغار جوعا.
عندما يصبح الصغار كبارا يندفعون الى الشاطئ ويتدافعون ليسقطوا في الماء. وإذا تمكنوا من تفادي اسود البحر التي تنتظرهم بنهم، عندها يصبحوا قادرين على النجاة بحياتهم اذ انهم يسبحون كالطلقة واسد البحر لايستطيع اللحاق بهم في البحر المفتوح. وهنا يغادر البطاريق المنطقو ويتوجهوا نحو الشمال كل على حدى ولايبقى للزوجية معنى، حتى موسم الربيع التالي.


