السيدة عائشة والمصحف
السيّدة عائشة، زوجة النبي
وابنة خليفته الأول، أهم شخصيّة
نسائية في طول التاريخ الاسلامي
وعرضه. المرأة التي تنضح
بالثورة، التي لم تتم مقاربتها
معرفيّاً إلا من زاويتين:
التقديس المطلق، كما هو الحال
عند أهل السنّة والجماعة؛
والتكفير المطلق، كما هو الحال
عند الفرق الشيعيّة عموماً.
وحتى الآن لم أصادف عملاً
موضوعيّاً بالمعنى العلمي
للكلمة، أعطى هذه المرأة ما
تستحق، بما في ذلك عملي الضخم
عنها.
ينسب للنبي حديث يتعلّق بعائشة؛ يقول: “ خذوا شطر دينكم من الحميراء “، ( لسان العرب، 1343؛ تاج العروس، 2717؛ الأحكام للآمدي 95 لكن هنا بدلاً عن “ من الحميراء “ وردت “ عن الحميراء “؛ مثله السخاوي في المقاصد الحسنة؛ وأورد السخاوي نصّاً آخر: “ خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء “،108، 264 )؛ لكن الواقع أن هذا الحديث المتداول كثيراً في الأوساط الشعبيّة السنيّة لا أساس له من الصحة. في تحفة الأحوذي، نقرأ عن هذا الحديث: “ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : لا أعرف له إسناداً، ولا رواية في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكر من خرجه، وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير: أنه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه ، وقال السخاوي : ذكره في الفردوس بغير إسناد “. ويؤّكد السخاوي، المرجع السابق: “ قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسناداً؛ ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير “؛ ويكمل السيوطي في “ الدرر المنتثرة في الأحاديث المنشرة”، عن الحديث ذاته: “ لم أقف عليه؛ وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في “تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب”: هو حديث غريب جداً، بل هو حديث منكر، سألت عنه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه، قال: ولم أقف له على سند إلى الآن، وقال شيخنا الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد “ ( 10 )؛ أما ابن كثير، فيعلّق: “ ليس له أصل ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي؛ فقال: لا أصل له. [ حتى يقول ]: تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضاً، وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل “ ( بداية ابن كثير 2961 ).
بعد هذه المقدمة الموجزة حول التناقض الحاد بين الروايات والرواة، ننتقل إلى ما قاله جفري حول مصحف عائشة: [ ثمة مجموعة صغيرة من القراءات تُسند إلى عائشة ابنة أبي بكر وزوجة النبي الصغيرة. وباستثناء قراءة واحدة، ففي الحالات جميعاً نجد أن القراءات مدعومة من قبل المصادر القديمة الآخرى. لكنّ كلّ ما نعرفه من الروايات لا يدع أدنى شك بأنّ معرفة عائشة بالقرآن عند وفاة النبي كانت ضئيلة جداً. وهكذا، فكلّ القصص حول تعلّمها القرآن بإملاء من النبي، أو أنّها واحدة من مجموعة صغيرة حفظت القرآن عن ظهر قلب أثناء حياة النبي، يجب إسقاطها باعتبارها تلفيقات لأناس لاحقين. لكن من المحتمل أنّها حفظت عن ظهر قلب بضع مقاطع كانت تستخدمها الجماعة في صلاتها. ومن المحتمل أيضاً أنّ النبي علّمها مقاطع قليلة. ويمكن أيضاً أن اختلافات القراءة التي تعزا لها مأخوذة عن الطريقة التي تعلمت أن تقرأ بها مقاطع بعينها قبل نشر النص العثماني؛ مع أنّها، من ناحية أخرى، ربما لا تكون غير اختلافات قراءة رُبطت باسمها كي تعطى موثوقية ] جفري.
الله... وعائشة:
في التاريخ البشري يندر للغاية أن نجد امرأة تدخل الله في أمورها، خاصة تلك الجنسيّة، كما كانت الحال مع عائشة؛ وذلك اتكالاً على النص القرآني وتفاسيره.
الافك:
كان حديث الإفك في السنة السادسة للهجرة (أنظر: أسد الغابة 2: 221؛ سيرة ابن هشام 2: 307؛ راجع أيضاً: تاريخ اليعقوبي 53:2؛ تاريخ ابن خياط 46؛ من أجل مرجع شيعي تفصيلي، أنظر: بحار الأنوار 20: 309: 8: 19)، في غزوة بني المصطلق ( الكامل 2: 81 ). والقصّة أوردها بنوع من التفصيل، مسلم في صحيحه ( توبة 4. القصة وردت أيضاً، باختلافات لا تذكر، في تفسير ابن كثير 3: 443 - 446. راجع القصة في تاريخ الطبري 2: 264 - 270 )، حيث قال، نقلاً عن عائشة: “ كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يخرج سفراً، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله (ص) معه... فأقرع بنا في غزوة غزاها (في الكامل (2: 83 - 86): “غزوة بني المصطلق” )، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله (ص)، وذلك بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله (ص) من غزوه ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي، فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. كانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن اللحم؛ إنما يأكلهن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحّلوه ورفعوه. وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي.
فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي. ووالله ما يكلّمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة، غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني (في الكامل (المرجع السابق)، يقال: “فارتجع العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك” ).
وكان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي بن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله (ص) اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي؛ إنما يدخل رسول الله (ص) يسلّم، ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشرّ! حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو مبرزنا، ولا نخرج إلاّ ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزّه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمّها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطّح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح (في سيرة ابن هشام (2: 300)، يقال: “مسطح لقب، واسمه عوف” )! فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبّين رجلاً قد شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فدخل عليّ رسول الله (ص)، فسلّم، ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ - وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما - فأذن لي رسول الله (ص). فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدّث الناس؟ فقالت: يا بنية، هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قلت: سبحان الله! وقد تحدّث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله. فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله (ص) بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما عليّ بن أبي طالب، فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله (ص) بريرة، فقال: أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، إن رأيت أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام على عجين أهلها، فتأتي الداجن (في مسند أحمد، مسند الأنصار، 2318، تقول بريرة: “والله ما أعلم عليها عيباً، إلا أنّها كانت تنام حتى تدخل الشاة فتأكل خميرتها أو عجينتها”. - نلاحظ، بالمناسبة، أن الخلاف في مسألة “داجن أو شاة” يمتد أيضاً إلى آية رضاع الكبير، كما رأينا في البحوث السابقة )، فتأكله. فقام رسول الله (ص) على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله (ص) وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً! ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي (في سيرة ابن هشام (2: 300 - 302)؛ يقال: “وكان قبل ذلك يُرَى رجلاً صالحاً” )! فقام سعد بن أبي معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من أخوتنا الخزرج (في مسند أحمد، مسند الأنصار 23181، يقال: “ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي”. - أي أنه كان كثير التردد على البيت النبوي. دون أن ننسى أن الراوية هي عائشة! )، أمرتنا ففعلنا أمرك! فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج - وكان رجلاً صالحاً ولكن اجتهلته الحمية (في مسند أحمد، (النص السابق)، يقال: “كانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل” )- فقال لسعد بن معاذ: كذبت! لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله! وقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت! لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين! فثار الحيّـان الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا. ورسول الله قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا.
وبكيتُ يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أنّ البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي. فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله (ص)، ثم جلس. ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء. فتشهد رسول الله (ص) حين جلس، ثم قال: أمّا بعد، يا عائشة، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله (ص) مقالته، قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله (ص) فيما قال! فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص)! فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله (ص)! فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص)! فقلت؛ وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني - والله - لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به؛ فإن قلت لكم: إني بريئة! لا تصدقون بذلك! وإن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال ( في نص ابن هشام (المصدر السابق)، يقال: “فالتمستُ اسم يعقوب، فما أذكره”، وهو يؤكّد ما قاله جفري حول ضعف ثقافتها القرآنيّة ) أبو يوسف: “فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون”. ثم تحوّلت، فاضطجعت على فراشي، وأنا - والله - حينئذ أعلم أنّي بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن - والله - ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يوحى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عزّ وجلّ فيّ بأمر يتلى. ولكني - والله - كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) رؤيا، يُبرئني الله بها.
فوالله، ما رام رسول الله (ص) مجلسه، ولا خرج من أهل بيته أحد، حتى أنزل الله عزّ وجلّ على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى أنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشتات من ثقل القول الذي أنزل عليه. فلما سري عن رسول الله (ص)، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلّم بها، أن قال: أبشري يا عائشة! أما الله فقد برّأك! فقالت لي أمي: قومي إليه؛ فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي ( في البداية والنهاية، يرد: “والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي. لقد سمعتموه فما غيرتموه ولا أنكرتموه” (5: 67). - مثله أيضاً في مسند أحمد، النص السابق. في نص آخر في مسند أحمد (مسند الأنصار 22886)؛ تقول عائشة: “لما نزل عذري من السماء، جــاءني النبي (ص)، فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله عزّ وجلّ لا نحمدك”. وفي تفسير ابن كثير (3: 448 - 449)، يذكر عن عائشة قولها: “وكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا! والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه... فقال لها أبوها: تقولين هذا لرسول الله (ص)؟ قالت: نعم”) فأنزل الله عزّ وجلّ “إنّ الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم”، عشر آيات (جاء في الكشاف (2: 2449): “والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون” [النور 4]؛ نزلت في حسان بن ثابت، حين قال في عائشة (رض)” ). فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات (ورد في شرح النهج (14: 23): “قوم من الشيعة زعموا أن الآيات في سورة النور لم تنزل فيها [عائشة] وإنما نزلت في مارية القبطية، وما قذفت به مع الأسود القبطي” )، براءتي. فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ؛ فأنزل الله عز وجل “ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى”، إلى قوله، “ألا تحبّون أن يغفر الله لكم” - قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله - فقال أبو بكر: إنّي لأحب أن يغفر الله لي! فرجّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً ( راجع أيضاً: الكشاف 3: 222 ) “. وكان الذي تكلموا به، مسطح وحمنة وحسان (ورد في الكشاف (3: 221): “ضرب رسول الله (ص) عبد الله بن أبي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان، فضربه بالسيف، وكف بصره” )، وأما المنافق عبد الله بن أبي، فهو الذي يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، وحمنة (ورد في تاريخ اليعقوبي (2: 53): “جلد رسول الله حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وعبد الله بن أبي سلول، وهو الذي تولى كبره، وحمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش”) “ ( راجع أيضاً: السمط الثمين 66 – 70؛ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ). ويضيف ابن هشام (سيرة 2: 302 )، إنّ النبي “خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه في القرآن من ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثانة وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدّهم” (ورد في مسند أحمد، مسند الأنصار 22937: “لما نزل عذري، قام رسول الله (ص) على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل، أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدّهم”؛ راجع أيضاً: تفسير ابن كثير 3: 448؛ البداية والنهاية 4: 163؛ ابن ماجة، حدود 2557؛ أبو داود، حدود 3880 ).
ملاحظة:
مقابل رواية بتولية ابن المعطّل التي روّجت لها عائشة، تذكر لنا مصادر إسلامية نصّاً معارضاً، يقدّم ابن المعطّل، كائناً مسكوناً بالشبق. يقول ابن منظور (11: 103)، على سبيل المثال: “جاءت امرأة إلى رسول الله (ص)، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل... يفطرني إذا صمت... وصفوان عنده... فسأله عمّا قالت، فقال: يا رسول الله... أما قولها يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب فلا أصبر”. ويكمل أبو داود (الصوم 2013؛ ذكره أيضاً يوسف بن رافع بن شداد في دلائل الأحكام 13: 92 - 93، ح2459؛ أنظر أيضاً: الخطابي، معالم السنن 2: 136 - 137(: “فقال رسول الله (ص): لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها”. راجع أيضاً: مجمع الزوائد للهيثمي 1703-1704؛ تفسير القرطبي 2752؛ الاستيعاب 598؛ البدء والتاريخ للمقدسي 261؛ أنساب أشراف البلاذري 192؛ مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، مسند أبي سعيد الخدري ( رض )؛ أعلام الزركلي 430.
العقد:
عقد آخر لعائشة أدى ضياعه هو أيضاً إلى تدخل من الله. يذكر النسائي ) طهارة 308 ( عن عائشة، قولها: “خرجنا مع رسول الله (ص) في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو ذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول الله (ص) على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فأتى الناس أبا بكر (رض)، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله (ص) وبالناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر (رض) ورسول الله (ص) واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله (ص) والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء... فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما منعني من التحرّك إلاّ مكان رسول الله (ص) على فخذي. فنام رسول الله (ص) حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته” )راجع أيضاً: البداية والنهاية 1: 80 (.
رواية أخرى، تقدّم تفاصيل إضافية، نجدها في المرجع ذاته ) النسائي، طهارة 561 (: تقول عائشة “إنّها استعارت من أسماء [أختها] قلادة، فهلكت، فأرسل النبي (ص) أناساً في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلّوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي، شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاكِ الله خيراً! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله!!! لكِ مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة”) أنظر أيضاً: تفسير ابن كثير وتفسير الطبري لآية التيمم؛ السمط الثمين 62( .
تدخّل إضافي لله:
طلحة بن عبيد الله هو ابن عم لعائشة؛ وهو الذي حاولت إيصاله، بكلّ الطرق، إلى سدّة الخلافة، وحاربت لأجل ذلك عليّ بن أبي طالب، في حرب الجمل. يروى ( ابن أبي حديد، شرح النهج 1: 62؛ 3: 170 ) “أن طلحة، لما نزلت آية الحجاب، قال بمحضر نقل عنه إلى رسول الله (ص): ما الذي يغنيه من حجابهن اليوم؟ فسيموت غداً، فننكحهن”. وذكر الزمخشري في الكشاف (3: 556 )، إنّ بعضهم قال بعد نزول آية الحجاب: “أنُنهى أن نكلّم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟! لئن مات محمد لأتزوجن عائشة... [وهو] طلحة، قال: لو قد مات محمد، لأتزوجن عائشة (رض). فأنزل الله تعالى:”وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله” [أحزاب 53]”. ويفسّر ابن كثير(تفسير 3: 834 ) الآية السابقة، فيقول: “نزلت في رجل [يقول ابن سعد: “نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله تزوجت عائشة”]، همّ أن يتزوج بعض نساء النبي (ص) بعده؛ فقال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال:ذكروا ذلك.. وذكروا بسنده عن السدي أنّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله” (راجع أيضاً أسد الغابة (3: 62): “قيل إنه [طلحة] الذي نزلت في أمره، “ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا نساءه من بعده”، وذلك أنه قال: لئن مات رسول الله (ص) لأتزوجن عائشة”؛ وقيل في السمط الثمين (170 - 171): “نزلت في طلحة بن عبيد الله، لأنه قال: إذا توفي رسول الله (ص)، تزوجت عائشة (رض)”). وتقول رواية أخرى (أنظر تفسير الآية في لباب النقول بهامش الجلالين: راجع أيضاً: الزرقاني، شرح المواهب. يذكر الطبري في تفسيره للآية 53 من سورة الأحزاب أن “ ذلك نزل في رجل كان يدخل [على النبي] قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه “ .ويقول القرطبي: “ إن رجلاً قال: لو قبض رسول الله تزوجت عائشة! فأنزل الله...[وعن] ابن عباس: قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله (ص) على حراء - في نفسه - لو توفي رسول الله (ص) لتزوجت عائشة وهي بنت عمي.قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن عباس: وندم هذا الرجل على ما حدّث به في نفسه، فمشى الى مكة على رجليه وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقاً فكفّر الله عنه؛ وحكى مكي عن معمّر انه قال: هو طلحة بن عبيد الله “ ( تفسير الآية) .أما ابن كثير فيذكر في تفسيره للآية أنه “ عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله (رض) “): “إنّ رجلاً أتى بعض أزوج النبي (ص)، فكلّمها وهو ابن عمها، فقال النبي له: لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا. فقال: يا رسول اللّه ! إنّها ابنة عمي، والله ما قلت منكراً ولا قالت لي. قال النبي (ص): قد عرفتَ أنه ليس أغير من الله، وليس أحد أغير مني. فمضى الرجل، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمّي، والله لأتزوجنها من بعده. وسمّت الروايات الرجل وهو طلحة بن عبيد الله، وسمّت أم المؤمنين عائشة... وبلغ النبي (ص) أن رجلاً، يقول: لو قد توفي النبي (ص)، تزوجت فلانة بعده، فنزلت آية: “وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله”. وقال ابن عباس: نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي (ص) بعده. وذكروا أنها عائشة؛ وأخرج عن السدي، قال: بلغنا أنّ طلحة بن عبيد الله، قال: أيحجبنا عن بنات عمّنا ويتزوج نساءنا! لئن حدث به ما حدث، لنتزوجّن نساءه بعده”.
في التفاسير الأصوليّة الأهم، نجد نقلاً عن ابن عبّاس عموماً شرحاً لآية " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّه " على أنها " نَزَلَتْ فِي رَجُل هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّج بَعْض نِسَاء النَّبِيّ (ص) بَعْده ... عَنْ السُّدِّيّ أَنَّ الَّذِي عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه (رض) " ( تفسير ابن كثير )؛ وفي تفسير الطبري: " رُبَّمَا بَلَغَ النَّبِيّ (ص)أ َنَّ الرَّجُلَ [ طلحة ] يَقُول : لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ (ص) تُوُفِّيَ تَزَوَّجْت فُلانَةَ مِنْ بَعْده ، قَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ يُؤْذِي النَّبِيَّ (ص)، فَنَزَلَ الْقُرْآن : " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه "؛ ويقول القرطبي: " قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ رَجُل مِنْ سَادَات قُرَيْش مِنْ الْعَشَرَة الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُول اللَّه (ص)عَلَى حِرَاء - فِي نَفْسه - لَوْ تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه (ص) لَتَزَوَّجْت عَائِشَة ، وَهِيَ بِنْت عَمِّي . قَالَ مُقَاتِل : هُوَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه ". ( راجع: أسباب نزول االقرآن للواحدي، 129 ).
تشكيك عائشة في الوحي:
في إشارتها إلى غيرة عائشة العنيفة، حين تزوج النبي زينب بنت جحش، ذكرت بنت الشاطئ، في كتابها الشهير، نساء النبي، أن عائشة قالت له، بعدما صدّق الله على هذا الزواج من زينب، التي كانت اشترطت بدورها أن يتدخل الله بذاته حتى توافق على زواجها من النبي: “ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك”!. لكن، والحقّ يقال، لم نجد ما يؤكد صحة مزاعم بنت الشاطئ هذه في المصادر الإسلامية المعروفة. لقد وجدنا قول عائشة للنبي: “ما أرى ربك إلا يسارع في هواك”، لكننا لم نجد ربطاً بينه وبين حدث زواج النبي من زينب بنت جحش. وهنالك احتماليتان: إما أن تكون بنت الشاطئ وجدت هذا الربط في عمل لم نحظ بمصادفته حتى الآن، الأمر الذي يعني أن جملة عائشة الشهيرة تلك كانت ردة فعل اعتيادية لها على أي زواج لا يعجبها؛ أو أن تكون بنت الشاطئ أخطأت في تقديرها، فالروايات الشهيرة في التراث الإسلامي تربط هذه الجملة حصراً باللواتي كن يمنحن أنفسهن للنبي. وتبقى غيرة عائشة العارمة القاسم المشترك بين الاحتماليتين. - أي: المضمون واحد- ينزل القرآن يأمر بتلبية إحدى رغبات النبي الجنسية، فتفسّر ذلك عائشة، بأن الله يسارع له في هواه. وهكذا، يروي صحيح البخاري (صحيح البخاري، تفسير القرآن 4414؛ راجع أيضاً: تفسير القرطبي والطبري للآية 51 من الأحزاب )، نقلاً عنها : “كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله (ص)، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله تعالى: “ترجئ من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك”، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك” (راجع: السمط الثمين 81 – 82 ). وفي نص صحيح مسلم (صحيح مسلم، رضاع 2658 )، تقول: “والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك” (راجع: تفسير ابن كثير 3: 825 ). وفي نص آخر، من المرجع ذاته (صحيح مسلم، رضاع 2659 ): “كانت [عائشة تقول]: أما تستحي من امرأة تهب نفسها لرجل؟” أو: “أوتهب الحرة نفسها” ( النسائي، نكاح 3148 ) ؛ أو: “ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق” ( مسند أحمد، مسند الأنصار 24091. راجع أيضاً بشأن هذه المسألة: القرطبي، الجامع 14: 208؛ السمط الثمين 125؛ ابن ماجة، نكاح 1990؛ مسند أحمد، مسند الأنصار 25050، 23336، 23877؛ صحيح مسلم، طلاق 2697؛ أبو داود، نكاح 1824، 23877 ).
راجع أيضاً: السيرة النبوية لمحمد بن اسحق 93؛ تفسير القرطبي 208؛ 2776؛ 2780؛ سمط النجوم االعوالي في أنباء الأوائل والتوالي للعصامي 202؛ قوت القلوب لأبي طالب المكي 458.
عائشة والمصحف:
واضح تماماً من النصوص السابقة المتعلقة بقصة الإفك أن عائشة لم تكن على معرفة عميقة بالقرآن. فهي في لحظة ألم نسيت حتى اسم يعقوب النبي، فاستعاضت عن ذلك بقولها: أبو يوسف. مع ذلك، تتحدّث بعض روايات عن مصحف كان محفوظاً في بيت عائشة؛ نُقل عنه المصحف العثماني. يشير جفري إلى المسألة؛ فيقول: [ تبدو احتمالية أن تكون امتلكت مصحفاً خاصاً بها بالاعتماد على مجموعة من المواد سابقة للنص العثماني بعيدة جداً. وقصة مصحف عائشة في كتاب ابن أبي داود، ص83 وما بعد، إنّما تشير بوضوح إلى نسخة عثمانية معيارية اختطتها لنفسها والتي ألحّت أنه أقحم فيها بضع تفاصيل اعتقدت أنها حذفت بغير وجه حق من قبل عثمان ولجنته. وقصة البخاري (ابن كثير، فضائل القرآن، ص38 ) حول الرجل العراقي الذي سألها أن تريه مصحفها لأنّه أراد ترتيب صفحاته بحسب ترتيبها لمصحفها تبدو وكأنها تشير إلى نسخة من النص العثماني مرتّبة مواده بحسب زمن النزول. والقرآن في السورة 23: 56، مع إضافة “والذين يصلّون في الصفوف الأولى”، [ نضيف إلى ما ذكره جفري النص التالي عن السيوطي: " عن حميدة بنت أبي يونس؛ قالت: قرأ على أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمأ، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف" ؛ اتقان 285 ] التي يقدّمها ابن أبي داود (ص85) من مصحفها، ربما تشير إلى مصحف مستقلّ، لكن الأرجح أنّها قراءة قديمة عزيت لعائشة لاحقاً] جفري.
يخبرنا ابن شبّة في تاريخه " أن عثمان بن عفان (رض) كتبَ إلى الأمصار: أما بعد فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القراَن، فاختلفوا اختلافاً شديداً؛ فقال: بعضهم قرأتُ على أبي الدرداء؛ وقال بعضهم: قرأتُ على حرفِ عبد الله بن مسعود؛ وقال بعضهم: قرأت على حرف عبد الله بن قيس! فلما سمعتُ اختلافهم في القراَن والعهدُ برسول اللّه (ص) حديث ورأيت أمراً منكراً، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيتُ أن يختلفوا في دينهم بعد ذَهَابِ من بقي من أصحاب رسول الله (ص) الذين قرأوا القراَن على عَهْده وسَمِعوه من فِيه، كما اختلفَت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى ابن مريم، وأحببت أن ندارك من ذلك، فأرْسلت إلى عائشة أم المؤمنين (رض) أن ترسل إليّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عَنْ فَم رسول الله (ص) حين أوْحاه الله إلى جبريل، وأوحاهُ جبريلُ إلى محمد، وأنزله عليه، وإذ القَرآنُ غضٌ، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفراً من كتاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طَرِيف وعبدُ الله بن الوليد الخزاعي وعبد الرحمن بن أبي لُبَابَة فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يَتَحَفَّظُوا " ( 293 ).
يدعم هذا ما جاء في بعض الروايات نقلاً عن أبي يونس، مولى عائشة، من أنها طلبت منه " أن يكتب لها مصفاً " ( راجع على سبيل المثال: تحفة الأحوذي بشرج جامع الترمذي؛ تهذيب التهذيب للمزي 3963 ؛ الموطأ 1/138: 25، صحيح مسلم 1/437 ـ 438 ، فتح الباري 8/158 ).
لكن ذلك يتعارض بشدّة مع ما ورد في غالبيّة الرويات، بما فيها تلك التي أوردها ابن شبّة ذاته، والتي تقول إن المصحف كان لحفصة: " فكان عمر (رض) قد هَمَّ أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فَطُعِن طَعْنَته التي مات فيها. فلما كان في خلافة عثمان (رض) قام ذلك الرجلُ فذكر له، فجمع عثمان (رض) المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة (رض) فجئت بالصحُفِ التي كتب فيها رسول الله (ص) القرآن فَعَرَضْناه عليها حتى قوَمْنَاها، ثم أمر بسائرها فشُقَقَت.
فأرسل عثمان (رض) إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف نَنْسَخْها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فَنَسَخُوها في المصاحف. وقال عثمان للرَّهط القرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيء من القرآن فاكْتبوه بلسان قُريش، فإنما أُنْزِلَ بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتى إذا نُسِخَ المصحفُ رَدّ عثمان الصحفَ إلى حَفْصَة وأرسل إلى كُل أفق بمصحف مما نَسخوا، وأمر بما سِوَاهُ من القراَن في كل صحيفةٍ أو مصحف أن يحرق " ( تاريخ ابن شبة، 290 ).
مع ذلك، ثمة نوع من التأكيد في روايات كثيرة للغاية على تعبير " مصحف عائشة "؛ فهل كان " مصحف عائشة " مجرّد نسخة عاديّة عن مصحف كان موجوداً في زمنها، أم أنه مصحف اختصت هي به؟ الأرجح أن يكون الجواب الأول هو الأصح، لأنها كانت تملي على الكاتب أشياء نادرة من عندها، تعتبر أنها فقدت من القرآن ( من أجل مصحف عائشة؛ أنظر على سبيل المثال لا الحصر: اتقان 285 ؛ محلى ابن حزم 411؛ أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية 392 ؛ كنز العمال 235 ).
مصحف عائشة ونقص القرآن:
كنّا أشرنا في أكثر من مناسبة فإن روايات تنسب لعائشة أقوالاً مفادها أن القرآن العثماني يختلف عن مصحف محمد الأصلي. وربما تكون قصة " رضاع الكبير "، التي وثقناها تماماً، من أكثر ما نسب لعائشة من أحاديث حول إسقاط بضع آيات من مصحف عثمان. وللتذكير نورد هنا النص التالي: " وقالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير وكانتا في رقعة تحت سريري، وشغلنا بشكاة رسول الله (ص) فدخلت داجن فأكلته " ( محاضرات الصبهاني، 510 ).
لكن الواقع أن أشهر ما ينسب لعائشة من نصوص مخالفة لمصحف عثمان، هو ذلك الذي يقرأ آية " والصلاة الوسطى "، في سورة البقرة، 238، على النحو التالي: " والصلاة الوسطى وصلاة العصر ". – وهي قراءة تنسب لغيرها أيضاً.
" عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَصَلاةِ العَصْرِ، فقرأناها ماشاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: " حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى"، فقال رجل كان جالساً عند شقيق له: هي إذاً صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم "(صحيح مسلم 1/437 ـ 438). لكن رأي مسلم حول النسخ تناقضه آراء أخرى: " عن أبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين عن عائشة: أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ "؛ قال: فأملت علي: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَالصَّلاةِ الوسطى وَصَلاةِ العَصْرِ، قالت: سمعتها من رسول الله (ص)" ( الموطأ 1/138: 25، فتح الباري 8/158) .
في محلّى ابن حزم، يقال: " عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنها أملت عليه في مصحف كتبه لها:” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر - وقوموا لله قانتين. وقالت:” سمعتها من رسول الله (ص)”. .. كان في مصحف عائشة أم المؤمنين:” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر - وقوموا لله قانتين” ( 411 ).
ونقرأ عند غيره أيضاً: " عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى” قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت علي “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين”. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص). رواه مسلم عن يحيى بن يحيى " . ( تهذيب الكمال للمزي 3936 ).
و"عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى” قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت علي “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين”. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص) رواه مسلم " ( تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي، 3639 ).
ويقول ابن قيم الجوزية: " المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، بالمتشابه من قوله: “وقوموا للّه قانتين” البقرة وهذا عجب من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: “وصلاة العصر” " ( أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، 392 )
أما المتقي الهندي؛ فيقول: " قرأت في مصحف عائشة “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين”...عن عائشة أنها سئلت عن الصلاة الوسطى؟ فقالت: كنا نقرأها في الحرف الأول عهد رسول الله (ص):” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين” " ( كنز العمال 235 ).
في سنن الترمذي، تفسير القرآن عن رسول الله، من سورة البقرة، نقرأ نصاً مطابقاً: " عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة (رض) أن أكتب لها مصحفاً؛ فقالت: إذا بلغت هذه الآية: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى "؛ فآذني! فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين؛ وقالت: سمعتها من رسول الله (ص) " ( راجع أيضاً: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي؛ تفسير القرطبي 568 ).
كما أشرنا في البحوث السابقة غير مرّة، تتحدّث عائشة عن نقص معيّن في سورة الأحزاب: " عائشة؛ قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن " ( الاتقان 258 ).
" وقالت عائشة: كانت الأحزاب تقرأ في زمن الرسول (ص) مائة آية، فلما جمعه عثمان لم يجد إلا ما هو الآن وكان فيه آية الرجم " ( محاضرات الأدباء 510 ).
من أشهر الروايات المتعلقة بالقرآن والتي تعزا إلى عائشة، حديثها عن أخطاء المصحف النحويّة: " فما تأويل الخبر الذي رويتموه أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه انه سأل عائشة (رض)عن لحن القرآن عن قوله: “إن هذين لسحران”، وعن “والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة”، وعن “إن الذين ءامنوا والذين هادوا.. والصبئون” فقالت يا ابن اختي هذا عمل الكتّاب اخطئوا في الكتابة ... قال: سأَلتُ عائشة (رض) عن لحن اُلقرآن عن قول الله عز وجل “إن هذين لسحرن” وعن قوله “والمقيمين اُلصلوة والمؤتون الزكوة” وعن قوله تبارك وتعلى “اِنّ الذين ءامنوا والذين هادوا..والصبئون”؟ فقالت: يا ابن اختي! عمل الكتاب! اخطئوا في الكتاب " ( المقنع في رسم مصاحف الأمصار للداني 37 ).
يقدّم لنا الأصبهاني نصا مطابقاً: " ابن عروة عن أبيه؛ قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب أخطأوا في الكتابة " ( محاضرات الأدباء 511؛ راجع اتقان السيوطي 210 ).
في الاتجاه ذاته يشير اتقان السيوطي: " عن عائشة ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل المكي عن أبي خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة؛ فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى كيف كان رسول الله (ص) يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: الذين يأتون ما أتوا، أوالذين يأتون ما آتوا؟ قالت: أيتهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلي من الدنيا جميعاً، قالت: أيهما قلت - الذين يأتون ما أتوا - فقالت: أشهد أن رسول الله (ص) كذاك كان يقرؤها وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرّف. ( 213 ).
قراءات عائشة:
قبل التوقف عند ما أورده جفري من قراءات مخالفة للنص العثماني نسبت إلى عائشة وأحياناً إلى غيرها؛ نورد هنا بعض ما وجدناه في مراجع إسلاميّة هامة:
" قال عروة: قالت عائشة أم المؤمنين: نزلت “فعدة من أيام أخر متتابعات” فسقطت “متتابعات” " ( محلى ابن حزم 675 ).
وفي تفسير القرطبي؛ نقرأ: " وفي البخاري عن عروة عن عائشة؛ قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل: “حتى إذا استيأس الرسل”؟ قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل! لعمري! لقد استيقنوا بذلك؛ فقلت لها: “وظنوا أنهم قد كذبوا”؟ قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك " ( 1856 ).
" وعن عائشة قالت قرأها رسول الله (ص)“إنه عَمِل غيرَ صالح” " (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 1241 ).
نصل أخيراً إلى ما جمعه جفري من قراءات منسوبة لعائشة، مع أن معظمها تكرار لما أوردناه من قبل:
[ القراءات المختلفة
السورة الأولى: الآية 4: “مالك” قرأتها “ملك”، مثل سعد بن أبي وقاص.
السورة الثانية: الآية 184: “يطيقونه”، قرأتها: “يُطَوِّقُونَهُ”، مثل مجاهد وابن عباس، لكن بعضهم قال: “يَطَّوَّقُونَهُ”.
الآية 238: “والصَّلوة الوسطى”، قرأتها: “والصَّلوة الوسطى وصلوة العصر”، مثل أبيّ وحفصة.
السورة الرابعة: الآية 117: “إناثاً”، قرأتها “أُنُثا” مثل ابن عباس، لكن آخرين، قالوا: “أوثاناً” مثل أبو سوار، وقال غيرهم “وثناً” مثل أيوب السختياني، وقال غيرهم: “أنثاً”.
السورة الخامسة: الآية 69: “والصابئون”، قرأتها: “والصابئين” مثل أبيّ وآخرين. لكن هذا قد لا يعني غير أنها لاحظت الخطأ القواعدي الموجود في القرآن هنا.
السورة العاشرة: الآية 63: “إن هذان”، قرأتها: “إن هذين”، مثل قراءة أبو عمر. وهذا أيضاً يعني أنها أدركت الخطأ القواعدي الموجود في القرآن هنا.
السورة الحادية عشرة: الآية 98: “حصب”، قرأتها: “حَطَب”، مثل علي، ابن الزبير، وغيرهما.
السورة الثالثة عشرة: الآية 60: “يؤتون ما آتوا”، قرأتها: “يأتون ما أتوا”، مثل ابن عباس، قتادة والنخعي.
السورة الثالثة والثلاثون: الآية 56: “على النبي”، قرأتها: “على النبي والذين يصلّون الصفوف الأولى”، وقال بعضهم: “يصفّون” بدل “يصلّون”.
السورة السادسة والثلاثون: الآية 72: “ركوبهم”، قرأتها: “ركوبتهم”، مثل أُبيّ.
السورة السادسة والسبعون: الآية 21: “ عاليهم”، قرأتها: “علتهم” .
السورة الحادية والثمانون: الآية 24: “بضنينٍ”، قرأتها: “بظنين”، مثل ابن مسعود، ابن عباس وغيرهما.
السورة الثانية بعد المئة: الآية 1: “ألهكم”، قرأتها: “أألهكم”، مثل ابن عباس وابن الجوزاء ] جفري.
ينسب للنبي حديث يتعلّق بعائشة؛ يقول: “ خذوا شطر دينكم من الحميراء “، ( لسان العرب، 1343؛ تاج العروس، 2717؛ الأحكام للآمدي 95 لكن هنا بدلاً عن “ من الحميراء “ وردت “ عن الحميراء “؛ مثله السخاوي في المقاصد الحسنة؛ وأورد السخاوي نصّاً آخر: “ خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء “،108، 264 )؛ لكن الواقع أن هذا الحديث المتداول كثيراً في الأوساط الشعبيّة السنيّة لا أساس له من الصحة. في تحفة الأحوذي، نقرأ عن هذا الحديث: “ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : لا أعرف له إسناداً، ولا رواية في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكر من خرجه، وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير: أنه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه ، وقال السخاوي : ذكره في الفردوس بغير إسناد “. ويؤّكد السخاوي، المرجع السابق: “ قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسناداً؛ ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير “؛ ويكمل السيوطي في “ الدرر المنتثرة في الأحاديث المنشرة”، عن الحديث ذاته: “ لم أقف عليه؛ وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في “تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب”: هو حديث غريب جداً، بل هو حديث منكر، سألت عنه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه، قال: ولم أقف له على سند إلى الآن، وقال شيخنا الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد “ ( 10 )؛ أما ابن كثير، فيعلّق: “ ليس له أصل ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي؛ فقال: لا أصل له. [ حتى يقول ]: تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضاً، وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل “ ( بداية ابن كثير 2961 ).
بعد هذه المقدمة الموجزة حول التناقض الحاد بين الروايات والرواة، ننتقل إلى ما قاله جفري حول مصحف عائشة: [ ثمة مجموعة صغيرة من القراءات تُسند إلى عائشة ابنة أبي بكر وزوجة النبي الصغيرة. وباستثناء قراءة واحدة، ففي الحالات جميعاً نجد أن القراءات مدعومة من قبل المصادر القديمة الآخرى. لكنّ كلّ ما نعرفه من الروايات لا يدع أدنى شك بأنّ معرفة عائشة بالقرآن عند وفاة النبي كانت ضئيلة جداً. وهكذا، فكلّ القصص حول تعلّمها القرآن بإملاء من النبي، أو أنّها واحدة من مجموعة صغيرة حفظت القرآن عن ظهر قلب أثناء حياة النبي، يجب إسقاطها باعتبارها تلفيقات لأناس لاحقين. لكن من المحتمل أنّها حفظت عن ظهر قلب بضع مقاطع كانت تستخدمها الجماعة في صلاتها. ومن المحتمل أيضاً أنّ النبي علّمها مقاطع قليلة. ويمكن أيضاً أن اختلافات القراءة التي تعزا لها مأخوذة عن الطريقة التي تعلمت أن تقرأ بها مقاطع بعينها قبل نشر النص العثماني؛ مع أنّها، من ناحية أخرى، ربما لا تكون غير اختلافات قراءة رُبطت باسمها كي تعطى موثوقية ] جفري.
الله... وعائشة:
في التاريخ البشري يندر للغاية أن نجد امرأة تدخل الله في أمورها، خاصة تلك الجنسيّة، كما كانت الحال مع عائشة؛ وذلك اتكالاً على النص القرآني وتفاسيره.
الافك:
كان حديث الإفك في السنة السادسة للهجرة (أنظر: أسد الغابة 2: 221؛ سيرة ابن هشام 2: 307؛ راجع أيضاً: تاريخ اليعقوبي 53:2؛ تاريخ ابن خياط 46؛ من أجل مرجع شيعي تفصيلي، أنظر: بحار الأنوار 20: 309: 8: 19)، في غزوة بني المصطلق ( الكامل 2: 81 ). والقصّة أوردها بنوع من التفصيل، مسلم في صحيحه ( توبة 4. القصة وردت أيضاً، باختلافات لا تذكر، في تفسير ابن كثير 3: 443 - 446. راجع القصة في تاريخ الطبري 2: 264 - 270 )، حيث قال، نقلاً عن عائشة: “ كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يخرج سفراً، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله (ص) معه... فأقرع بنا في غزوة غزاها (في الكامل (2: 83 - 86): “غزوة بني المصطلق” )، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله (ص)، وذلك بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله (ص) من غزوه ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار، قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي، فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. كانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن اللحم؛ إنما يأكلهن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحّلوه ورفعوه. وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي.
فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي. ووالله ما يكلّمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة، غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني (في الكامل (المرجع السابق)، يقال: “فارتجع العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك” ).
وكان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي بن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله (ص) اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي؛ إنما يدخل رسول الله (ص) يسلّم، ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشرّ! حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو مبرزنا، ولا نخرج إلاّ ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزّه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمّها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطّح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح (في سيرة ابن هشام (2: 300)، يقال: “مسطح لقب، واسمه عوف” )! فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبّين رجلاً قد شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فدخل عليّ رسول الله (ص)، فسلّم، ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ - وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما - فأذن لي رسول الله (ص). فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدّث الناس؟ فقالت: يا بنية، هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قلت: سبحان الله! وقد تحدّث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله. فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله (ص) بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما عليّ بن أبي طالب، فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله (ص) بريرة، فقال: أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، إن رأيت أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام على عجين أهلها، فتأتي الداجن (في مسند أحمد، مسند الأنصار، 2318، تقول بريرة: “والله ما أعلم عليها عيباً، إلا أنّها كانت تنام حتى تدخل الشاة فتأكل خميرتها أو عجينتها”. - نلاحظ، بالمناسبة، أن الخلاف في مسألة “داجن أو شاة” يمتد أيضاً إلى آية رضاع الكبير، كما رأينا في البحوث السابقة )، فتأكله. فقام رسول الله (ص) على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله (ص) وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً! ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي (في سيرة ابن هشام (2: 300 - 302)؛ يقال: “وكان قبل ذلك يُرَى رجلاً صالحاً” )! فقام سعد بن أبي معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من أخوتنا الخزرج (في مسند أحمد، مسند الأنصار 23181، يقال: “ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي”. - أي أنه كان كثير التردد على البيت النبوي. دون أن ننسى أن الراوية هي عائشة! )، أمرتنا ففعلنا أمرك! فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج - وكان رجلاً صالحاً ولكن اجتهلته الحمية (في مسند أحمد، (النص السابق)، يقال: “كانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل” )- فقال لسعد بن معاذ: كذبت! لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله! وقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت! لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين! فثار الحيّـان الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا. ورسول الله قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا.
وبكيتُ يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أنّ البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي. فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله (ص)، ثم جلس. ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء. فتشهد رسول الله (ص) حين جلس، ثم قال: أمّا بعد، يا عائشة، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله (ص) مقالته، قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله (ص) فيما قال! فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص)! فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله (ص)! فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص)! فقلت؛ وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني - والله - لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به؛ فإن قلت لكم: إني بريئة! لا تصدقون بذلك! وإن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال ( في نص ابن هشام (المصدر السابق)، يقال: “فالتمستُ اسم يعقوب، فما أذكره”، وهو يؤكّد ما قاله جفري حول ضعف ثقافتها القرآنيّة ) أبو يوسف: “فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون”. ثم تحوّلت، فاضطجعت على فراشي، وأنا - والله - حينئذ أعلم أنّي بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن - والله - ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يوحى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عزّ وجلّ فيّ بأمر يتلى. ولكني - والله - كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) رؤيا، يُبرئني الله بها.
فوالله، ما رام رسول الله (ص) مجلسه، ولا خرج من أهل بيته أحد، حتى أنزل الله عزّ وجلّ على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى أنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشتات من ثقل القول الذي أنزل عليه. فلما سري عن رسول الله (ص)، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلّم بها، أن قال: أبشري يا عائشة! أما الله فقد برّأك! فقالت لي أمي: قومي إليه؛ فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي ( في البداية والنهاية، يرد: “والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي. لقد سمعتموه فما غيرتموه ولا أنكرتموه” (5: 67). - مثله أيضاً في مسند أحمد، النص السابق. في نص آخر في مسند أحمد (مسند الأنصار 22886)؛ تقول عائشة: “لما نزل عذري من السماء، جــاءني النبي (ص)، فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله عزّ وجلّ لا نحمدك”. وفي تفسير ابن كثير (3: 448 - 449)، يذكر عن عائشة قولها: “وكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا! والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه... فقال لها أبوها: تقولين هذا لرسول الله (ص)؟ قالت: نعم”) فأنزل الله عزّ وجلّ “إنّ الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم”، عشر آيات (جاء في الكشاف (2: 2449): “والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون” [النور 4]؛ نزلت في حسان بن ثابت، حين قال في عائشة (رض)” ). فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات (ورد في شرح النهج (14: 23): “قوم من الشيعة زعموا أن الآيات في سورة النور لم تنزل فيها [عائشة] وإنما نزلت في مارية القبطية، وما قذفت به مع الأسود القبطي” )، براءتي. فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ؛ فأنزل الله عز وجل “ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى”، إلى قوله، “ألا تحبّون أن يغفر الله لكم” - قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله - فقال أبو بكر: إنّي لأحب أن يغفر الله لي! فرجّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً ( راجع أيضاً: الكشاف 3: 222 ) “. وكان الذي تكلموا به، مسطح وحمنة وحسان (ورد في الكشاف (3: 221): “ضرب رسول الله (ص) عبد الله بن أبي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان، فضربه بالسيف، وكف بصره” )، وأما المنافق عبد الله بن أبي، فهو الذي يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، وحمنة (ورد في تاريخ اليعقوبي (2: 53): “جلد رسول الله حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وعبد الله بن أبي سلول، وهو الذي تولى كبره، وحمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش”) “ ( راجع أيضاً: السمط الثمين 66 – 70؛ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ). ويضيف ابن هشام (سيرة 2: 302 )، إنّ النبي “خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه في القرآن من ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثانة وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدّهم” (ورد في مسند أحمد، مسند الأنصار 22937: “لما نزل عذري، قام رسول الله (ص) على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل، أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدّهم”؛ راجع أيضاً: تفسير ابن كثير 3: 448؛ البداية والنهاية 4: 163؛ ابن ماجة، حدود 2557؛ أبو داود، حدود 3880 ).
ملاحظة:
مقابل رواية بتولية ابن المعطّل التي روّجت لها عائشة، تذكر لنا مصادر إسلامية نصّاً معارضاً، يقدّم ابن المعطّل، كائناً مسكوناً بالشبق. يقول ابن منظور (11: 103)، على سبيل المثال: “جاءت امرأة إلى رسول الله (ص)، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل... يفطرني إذا صمت... وصفوان عنده... فسأله عمّا قالت، فقال: يا رسول الله... أما قولها يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب فلا أصبر”. ويكمل أبو داود (الصوم 2013؛ ذكره أيضاً يوسف بن رافع بن شداد في دلائل الأحكام 13: 92 - 93، ح2459؛ أنظر أيضاً: الخطابي، معالم السنن 2: 136 - 137(: “فقال رسول الله (ص): لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها”. راجع أيضاً: مجمع الزوائد للهيثمي 1703-1704؛ تفسير القرطبي 2752؛ الاستيعاب 598؛ البدء والتاريخ للمقدسي 261؛ أنساب أشراف البلاذري 192؛ مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، مسند أبي سعيد الخدري ( رض )؛ أعلام الزركلي 430.
العقد:
عقد آخر لعائشة أدى ضياعه هو أيضاً إلى تدخل من الله. يذكر النسائي ) طهارة 308 ( عن عائشة، قولها: “خرجنا مع رسول الله (ص) في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو ذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول الله (ص) على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فأتى الناس أبا بكر (رض)، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله (ص) وبالناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر (رض) ورسول الله (ص) واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله (ص) والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء... فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما منعني من التحرّك إلاّ مكان رسول الله (ص) على فخذي. فنام رسول الله (ص) حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته” )راجع أيضاً: البداية والنهاية 1: 80 (.
رواية أخرى، تقدّم تفاصيل إضافية، نجدها في المرجع ذاته ) النسائي، طهارة 561 (: تقول عائشة “إنّها استعارت من أسماء [أختها] قلادة، فهلكت، فأرسل النبي (ص) أناساً في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلّوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي، شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاكِ الله خيراً! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله!!! لكِ مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة”) أنظر أيضاً: تفسير ابن كثير وتفسير الطبري لآية التيمم؛ السمط الثمين 62( .
تدخّل إضافي لله:
طلحة بن عبيد الله هو ابن عم لعائشة؛ وهو الذي حاولت إيصاله، بكلّ الطرق، إلى سدّة الخلافة، وحاربت لأجل ذلك عليّ بن أبي طالب، في حرب الجمل. يروى ( ابن أبي حديد، شرح النهج 1: 62؛ 3: 170 ) “أن طلحة، لما نزلت آية الحجاب، قال بمحضر نقل عنه إلى رسول الله (ص): ما الذي يغنيه من حجابهن اليوم؟ فسيموت غداً، فننكحهن”. وذكر الزمخشري في الكشاف (3: 556 )، إنّ بعضهم قال بعد نزول آية الحجاب: “أنُنهى أن نكلّم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟! لئن مات محمد لأتزوجن عائشة... [وهو] طلحة، قال: لو قد مات محمد، لأتزوجن عائشة (رض). فأنزل الله تعالى:”وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله” [أحزاب 53]”. ويفسّر ابن كثير(تفسير 3: 834 ) الآية السابقة، فيقول: “نزلت في رجل [يقول ابن سعد: “نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله تزوجت عائشة”]، همّ أن يتزوج بعض نساء النبي (ص) بعده؛ فقال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال:ذكروا ذلك.. وذكروا بسنده عن السدي أنّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله” (راجع أيضاً أسد الغابة (3: 62): “قيل إنه [طلحة] الذي نزلت في أمره، “ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا نساءه من بعده”، وذلك أنه قال: لئن مات رسول الله (ص) لأتزوجن عائشة”؛ وقيل في السمط الثمين (170 - 171): “نزلت في طلحة بن عبيد الله، لأنه قال: إذا توفي رسول الله (ص)، تزوجت عائشة (رض)”). وتقول رواية أخرى (أنظر تفسير الآية في لباب النقول بهامش الجلالين: راجع أيضاً: الزرقاني، شرح المواهب. يذكر الطبري في تفسيره للآية 53 من سورة الأحزاب أن “ ذلك نزل في رجل كان يدخل [على النبي] قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه “ .ويقول القرطبي: “ إن رجلاً قال: لو قبض رسول الله تزوجت عائشة! فأنزل الله...[وعن] ابن عباس: قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله (ص) على حراء - في نفسه - لو توفي رسول الله (ص) لتزوجت عائشة وهي بنت عمي.قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن عباس: وندم هذا الرجل على ما حدّث به في نفسه، فمشى الى مكة على رجليه وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقاً فكفّر الله عنه؛ وحكى مكي عن معمّر انه قال: هو طلحة بن عبيد الله “ ( تفسير الآية) .أما ابن كثير فيذكر في تفسيره للآية أنه “ عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله (رض) “): “إنّ رجلاً أتى بعض أزوج النبي (ص)، فكلّمها وهو ابن عمها، فقال النبي له: لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا. فقال: يا رسول اللّه ! إنّها ابنة عمي، والله ما قلت منكراً ولا قالت لي. قال النبي (ص): قد عرفتَ أنه ليس أغير من الله، وليس أحد أغير مني. فمضى الرجل، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمّي، والله لأتزوجنها من بعده. وسمّت الروايات الرجل وهو طلحة بن عبيد الله، وسمّت أم المؤمنين عائشة... وبلغ النبي (ص) أن رجلاً، يقول: لو قد توفي النبي (ص)، تزوجت فلانة بعده، فنزلت آية: “وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله”. وقال ابن عباس: نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي (ص) بعده. وذكروا أنها عائشة؛ وأخرج عن السدي، قال: بلغنا أنّ طلحة بن عبيد الله، قال: أيحجبنا عن بنات عمّنا ويتزوج نساءنا! لئن حدث به ما حدث، لنتزوجّن نساءه بعده”.
في التفاسير الأصوليّة الأهم، نجد نقلاً عن ابن عبّاس عموماً شرحاً لآية " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّه " على أنها " نَزَلَتْ فِي رَجُل هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّج بَعْض نِسَاء النَّبِيّ (ص) بَعْده ... عَنْ السُّدِّيّ أَنَّ الَّذِي عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه (رض) " ( تفسير ابن كثير )؛ وفي تفسير الطبري: " رُبَّمَا بَلَغَ النَّبِيّ (ص)أ َنَّ الرَّجُلَ [ طلحة ] يَقُول : لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ (ص) تُوُفِّيَ تَزَوَّجْت فُلانَةَ مِنْ بَعْده ، قَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ يُؤْذِي النَّبِيَّ (ص)، فَنَزَلَ الْقُرْآن : " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه "؛ ويقول القرطبي: " قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ رَجُل مِنْ سَادَات قُرَيْش مِنْ الْعَشَرَة الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُول اللَّه (ص)عَلَى حِرَاء - فِي نَفْسه - لَوْ تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه (ص) لَتَزَوَّجْت عَائِشَة ، وَهِيَ بِنْت عَمِّي . قَالَ مُقَاتِل : هُوَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه ". ( راجع: أسباب نزول االقرآن للواحدي، 129 ).
تشكيك عائشة في الوحي:
في إشارتها إلى غيرة عائشة العنيفة، حين تزوج النبي زينب بنت جحش، ذكرت بنت الشاطئ، في كتابها الشهير، نساء النبي، أن عائشة قالت له، بعدما صدّق الله على هذا الزواج من زينب، التي كانت اشترطت بدورها أن يتدخل الله بذاته حتى توافق على زواجها من النبي: “ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك”!. لكن، والحقّ يقال، لم نجد ما يؤكد صحة مزاعم بنت الشاطئ هذه في المصادر الإسلامية المعروفة. لقد وجدنا قول عائشة للنبي: “ما أرى ربك إلا يسارع في هواك”، لكننا لم نجد ربطاً بينه وبين حدث زواج النبي من زينب بنت جحش. وهنالك احتماليتان: إما أن تكون بنت الشاطئ وجدت هذا الربط في عمل لم نحظ بمصادفته حتى الآن، الأمر الذي يعني أن جملة عائشة الشهيرة تلك كانت ردة فعل اعتيادية لها على أي زواج لا يعجبها؛ أو أن تكون بنت الشاطئ أخطأت في تقديرها، فالروايات الشهيرة في التراث الإسلامي تربط هذه الجملة حصراً باللواتي كن يمنحن أنفسهن للنبي. وتبقى غيرة عائشة العارمة القاسم المشترك بين الاحتماليتين. - أي: المضمون واحد- ينزل القرآن يأمر بتلبية إحدى رغبات النبي الجنسية، فتفسّر ذلك عائشة، بأن الله يسارع له في هواه. وهكذا، يروي صحيح البخاري (صحيح البخاري، تفسير القرآن 4414؛ راجع أيضاً: تفسير القرطبي والطبري للآية 51 من الأحزاب )، نقلاً عنها : “كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله (ص)، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله تعالى: “ترجئ من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك”، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك” (راجع: السمط الثمين 81 – 82 ). وفي نص صحيح مسلم (صحيح مسلم، رضاع 2658 )، تقول: “والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك” (راجع: تفسير ابن كثير 3: 825 ). وفي نص آخر، من المرجع ذاته (صحيح مسلم، رضاع 2659 ): “كانت [عائشة تقول]: أما تستحي من امرأة تهب نفسها لرجل؟” أو: “أوتهب الحرة نفسها” ( النسائي، نكاح 3148 ) ؛ أو: “ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق” ( مسند أحمد، مسند الأنصار 24091. راجع أيضاً بشأن هذه المسألة: القرطبي، الجامع 14: 208؛ السمط الثمين 125؛ ابن ماجة، نكاح 1990؛ مسند أحمد، مسند الأنصار 25050، 23336، 23877؛ صحيح مسلم، طلاق 2697؛ أبو داود، نكاح 1824، 23877 ).
راجع أيضاً: السيرة النبوية لمحمد بن اسحق 93؛ تفسير القرطبي 208؛ 2776؛ 2780؛ سمط النجوم االعوالي في أنباء الأوائل والتوالي للعصامي 202؛ قوت القلوب لأبي طالب المكي 458.
عائشة والمصحف:
واضح تماماً من النصوص السابقة المتعلقة بقصة الإفك أن عائشة لم تكن على معرفة عميقة بالقرآن. فهي في لحظة ألم نسيت حتى اسم يعقوب النبي، فاستعاضت عن ذلك بقولها: أبو يوسف. مع ذلك، تتحدّث بعض روايات عن مصحف كان محفوظاً في بيت عائشة؛ نُقل عنه المصحف العثماني. يشير جفري إلى المسألة؛ فيقول: [ تبدو احتمالية أن تكون امتلكت مصحفاً خاصاً بها بالاعتماد على مجموعة من المواد سابقة للنص العثماني بعيدة جداً. وقصة مصحف عائشة في كتاب ابن أبي داود، ص83 وما بعد، إنّما تشير بوضوح إلى نسخة عثمانية معيارية اختطتها لنفسها والتي ألحّت أنه أقحم فيها بضع تفاصيل اعتقدت أنها حذفت بغير وجه حق من قبل عثمان ولجنته. وقصة البخاري (ابن كثير، فضائل القرآن، ص38 ) حول الرجل العراقي الذي سألها أن تريه مصحفها لأنّه أراد ترتيب صفحاته بحسب ترتيبها لمصحفها تبدو وكأنها تشير إلى نسخة من النص العثماني مرتّبة مواده بحسب زمن النزول. والقرآن في السورة 23: 56، مع إضافة “والذين يصلّون في الصفوف الأولى”، [ نضيف إلى ما ذكره جفري النص التالي عن السيوطي: " عن حميدة بنت أبي يونس؛ قالت: قرأ على أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمأ، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف" ؛ اتقان 285 ] التي يقدّمها ابن أبي داود (ص85) من مصحفها، ربما تشير إلى مصحف مستقلّ، لكن الأرجح أنّها قراءة قديمة عزيت لعائشة لاحقاً] جفري.
يخبرنا ابن شبّة في تاريخه " أن عثمان بن عفان (رض) كتبَ إلى الأمصار: أما بعد فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القراَن، فاختلفوا اختلافاً شديداً؛ فقال: بعضهم قرأتُ على أبي الدرداء؛ وقال بعضهم: قرأتُ على حرفِ عبد الله بن مسعود؛ وقال بعضهم: قرأت على حرف عبد الله بن قيس! فلما سمعتُ اختلافهم في القراَن والعهدُ برسول اللّه (ص) حديث ورأيت أمراً منكراً، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيتُ أن يختلفوا في دينهم بعد ذَهَابِ من بقي من أصحاب رسول الله (ص) الذين قرأوا القراَن على عَهْده وسَمِعوه من فِيه، كما اختلفَت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى ابن مريم، وأحببت أن ندارك من ذلك، فأرْسلت إلى عائشة أم المؤمنين (رض) أن ترسل إليّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عَنْ فَم رسول الله (ص) حين أوْحاه الله إلى جبريل، وأوحاهُ جبريلُ إلى محمد، وأنزله عليه، وإذ القَرآنُ غضٌ، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفراً من كتاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طَرِيف وعبدُ الله بن الوليد الخزاعي وعبد الرحمن بن أبي لُبَابَة فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يَتَحَفَّظُوا " ( 293 ).
يدعم هذا ما جاء في بعض الروايات نقلاً عن أبي يونس، مولى عائشة، من أنها طلبت منه " أن يكتب لها مصفاً " ( راجع على سبيل المثال: تحفة الأحوذي بشرج جامع الترمذي؛ تهذيب التهذيب للمزي 3963 ؛ الموطأ 1/138: 25، صحيح مسلم 1/437 ـ 438 ، فتح الباري 8/158 ).
لكن ذلك يتعارض بشدّة مع ما ورد في غالبيّة الرويات، بما فيها تلك التي أوردها ابن شبّة ذاته، والتي تقول إن المصحف كان لحفصة: " فكان عمر (رض) قد هَمَّ أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فَطُعِن طَعْنَته التي مات فيها. فلما كان في خلافة عثمان (رض) قام ذلك الرجلُ فذكر له، فجمع عثمان (رض) المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة (رض) فجئت بالصحُفِ التي كتب فيها رسول الله (ص) القرآن فَعَرَضْناه عليها حتى قوَمْنَاها، ثم أمر بسائرها فشُقَقَت.
فأرسل عثمان (رض) إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف نَنْسَخْها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فَنَسَخُوها في المصاحف. وقال عثمان للرَّهط القرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيء من القرآن فاكْتبوه بلسان قُريش، فإنما أُنْزِلَ بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتى إذا نُسِخَ المصحفُ رَدّ عثمان الصحفَ إلى حَفْصَة وأرسل إلى كُل أفق بمصحف مما نَسخوا، وأمر بما سِوَاهُ من القراَن في كل صحيفةٍ أو مصحف أن يحرق " ( تاريخ ابن شبة، 290 ).
مع ذلك، ثمة نوع من التأكيد في روايات كثيرة للغاية على تعبير " مصحف عائشة "؛ فهل كان " مصحف عائشة " مجرّد نسخة عاديّة عن مصحف كان موجوداً في زمنها، أم أنه مصحف اختصت هي به؟ الأرجح أن يكون الجواب الأول هو الأصح، لأنها كانت تملي على الكاتب أشياء نادرة من عندها، تعتبر أنها فقدت من القرآن ( من أجل مصحف عائشة؛ أنظر على سبيل المثال لا الحصر: اتقان 285 ؛ محلى ابن حزم 411؛ أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية 392 ؛ كنز العمال 235 ).
مصحف عائشة ونقص القرآن:
كنّا أشرنا في أكثر من مناسبة فإن روايات تنسب لعائشة أقوالاً مفادها أن القرآن العثماني يختلف عن مصحف محمد الأصلي. وربما تكون قصة " رضاع الكبير "، التي وثقناها تماماً، من أكثر ما نسب لعائشة من أحاديث حول إسقاط بضع آيات من مصحف عثمان. وللتذكير نورد هنا النص التالي: " وقالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير وكانتا في رقعة تحت سريري، وشغلنا بشكاة رسول الله (ص) فدخلت داجن فأكلته " ( محاضرات الصبهاني، 510 ).
لكن الواقع أن أشهر ما ينسب لعائشة من نصوص مخالفة لمصحف عثمان، هو ذلك الذي يقرأ آية " والصلاة الوسطى "، في سورة البقرة، 238، على النحو التالي: " والصلاة الوسطى وصلاة العصر ". – وهي قراءة تنسب لغيرها أيضاً.
" عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَصَلاةِ العَصْرِ، فقرأناها ماشاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: " حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى"، فقال رجل كان جالساً عند شقيق له: هي إذاً صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم "(صحيح مسلم 1/437 ـ 438). لكن رأي مسلم حول النسخ تناقضه آراء أخرى: " عن أبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين عن عائشة: أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ "؛ قال: فأملت علي: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَالصَّلاةِ الوسطى وَصَلاةِ العَصْرِ، قالت: سمعتها من رسول الله (ص)" ( الموطأ 1/138: 25، فتح الباري 8/158) .
في محلّى ابن حزم، يقال: " عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنها أملت عليه في مصحف كتبه لها:” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر - وقوموا لله قانتين. وقالت:” سمعتها من رسول الله (ص)”. .. كان في مصحف عائشة أم المؤمنين:” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وصلاة العصر - وقوموا لله قانتين” ( 411 ).
ونقرأ عند غيره أيضاً: " عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى” قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت علي “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين”. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص). رواه مسلم عن يحيى بن يحيى " . ( تهذيب الكمال للمزي 3936 ).
و"عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى” قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت علي “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين”. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله (ص) رواه مسلم " ( تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي، 3639 ).
ويقول ابن قيم الجوزية: " المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، بالمتشابه من قوله: “وقوموا للّه قانتين” البقرة وهذا عجب من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: “وصلاة العصر” " ( أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، 392 )
أما المتقي الهندي؛ فيقول: " قرأت في مصحف عائشة “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين”...عن عائشة أنها سئلت عن الصلاة الوسطى؟ فقالت: كنا نقرأها في الحرف الأول عهد رسول الله (ص):” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين” " ( كنز العمال 235 ).
في سنن الترمذي، تفسير القرآن عن رسول الله، من سورة البقرة، نقرأ نصاً مطابقاً: " عن أبي يونس مولى عائشة؛ قال: أمرتني عائشة (رض) أن أكتب لها مصحفاً؛ فقالت: إذا بلغت هذه الآية: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى "؛ فآذني! فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين؛ وقالت: سمعتها من رسول الله (ص) " ( راجع أيضاً: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي؛ تفسير القرطبي 568 ).
كما أشرنا في البحوث السابقة غير مرّة، تتحدّث عائشة عن نقص معيّن في سورة الأحزاب: " عائشة؛ قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن " ( الاتقان 258 ).
" وقالت عائشة: كانت الأحزاب تقرأ في زمن الرسول (ص) مائة آية، فلما جمعه عثمان لم يجد إلا ما هو الآن وكان فيه آية الرجم " ( محاضرات الأدباء 510 ).
من أشهر الروايات المتعلقة بالقرآن والتي تعزا إلى عائشة، حديثها عن أخطاء المصحف النحويّة: " فما تأويل الخبر الذي رويتموه أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه انه سأل عائشة (رض)عن لحن القرآن عن قوله: “إن هذين لسحران”، وعن “والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة”، وعن “إن الذين ءامنوا والذين هادوا.. والصبئون” فقالت يا ابن اختي هذا عمل الكتّاب اخطئوا في الكتابة ... قال: سأَلتُ عائشة (رض) عن لحن اُلقرآن عن قول الله عز وجل “إن هذين لسحرن” وعن قوله “والمقيمين اُلصلوة والمؤتون الزكوة” وعن قوله تبارك وتعلى “اِنّ الذين ءامنوا والذين هادوا..والصبئون”؟ فقالت: يا ابن اختي! عمل الكتاب! اخطئوا في الكتاب " ( المقنع في رسم مصاحف الأمصار للداني 37 ).
يقدّم لنا الأصبهاني نصا مطابقاً: " ابن عروة عن أبيه؛ قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب أخطأوا في الكتابة " ( محاضرات الأدباء 511؛ راجع اتقان السيوطي 210 ).
في الاتجاه ذاته يشير اتقان السيوطي: " عن عائشة ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل المكي عن أبي خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة؛ فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى كيف كان رسول الله (ص) يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: الذين يأتون ما أتوا، أوالذين يأتون ما آتوا؟ قالت: أيتهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلي من الدنيا جميعاً، قالت: أيهما قلت - الذين يأتون ما أتوا - فقالت: أشهد أن رسول الله (ص) كذاك كان يقرؤها وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرّف. ( 213 ).
قراءات عائشة:
قبل التوقف عند ما أورده جفري من قراءات مخالفة للنص العثماني نسبت إلى عائشة وأحياناً إلى غيرها؛ نورد هنا بعض ما وجدناه في مراجع إسلاميّة هامة:
" قال عروة: قالت عائشة أم المؤمنين: نزلت “فعدة من أيام أخر متتابعات” فسقطت “متتابعات” " ( محلى ابن حزم 675 ).
وفي تفسير القرطبي؛ نقرأ: " وفي البخاري عن عروة عن عائشة؛ قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل: “حتى إذا استيأس الرسل”؟ قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل! لعمري! لقد استيقنوا بذلك؛ فقلت لها: “وظنوا أنهم قد كذبوا”؟ قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك " ( 1856 ).
" وعن عائشة قالت قرأها رسول الله (ص)“إنه عَمِل غيرَ صالح” " (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 1241 ).
نصل أخيراً إلى ما جمعه جفري من قراءات منسوبة لعائشة، مع أن معظمها تكرار لما أوردناه من قبل:
[ القراءات المختلفة
السورة الأولى: الآية 4: “مالك” قرأتها “ملك”، مثل سعد بن أبي وقاص.
السورة الثانية: الآية 184: “يطيقونه”، قرأتها: “يُطَوِّقُونَهُ”، مثل مجاهد وابن عباس، لكن بعضهم قال: “يَطَّوَّقُونَهُ”.
الآية 238: “والصَّلوة الوسطى”، قرأتها: “والصَّلوة الوسطى وصلوة العصر”، مثل أبيّ وحفصة.
السورة الرابعة: الآية 117: “إناثاً”، قرأتها “أُنُثا” مثل ابن عباس، لكن آخرين، قالوا: “أوثاناً” مثل أبو سوار، وقال غيرهم “وثناً” مثل أيوب السختياني، وقال غيرهم: “أنثاً”.
السورة الخامسة: الآية 69: “والصابئون”، قرأتها: “والصابئين” مثل أبيّ وآخرين. لكن هذا قد لا يعني غير أنها لاحظت الخطأ القواعدي الموجود في القرآن هنا.
السورة العاشرة: الآية 63: “إن هذان”، قرأتها: “إن هذين”، مثل قراءة أبو عمر. وهذا أيضاً يعني أنها أدركت الخطأ القواعدي الموجود في القرآن هنا.
السورة الحادية عشرة: الآية 98: “حصب”، قرأتها: “حَطَب”، مثل علي، ابن الزبير، وغيرهما.
السورة الثالثة عشرة: الآية 60: “يؤتون ما آتوا”، قرأتها: “يأتون ما أتوا”، مثل ابن عباس، قتادة والنخعي.
السورة الثالثة والثلاثون: الآية 56: “على النبي”، قرأتها: “على النبي والذين يصلّون الصفوف الأولى”، وقال بعضهم: “يصفّون” بدل “يصلّون”.
السورة السادسة والثلاثون: الآية 72: “ركوبهم”، قرأتها: “ركوبتهم”، مثل أُبيّ.
السورة السادسة والسبعون: الآية 21: “ عاليهم”، قرأتها: “علتهم” .
السورة الحادية والثمانون: الآية 24: “بضنينٍ”، قرأتها: “بظنين”، مثل ابن مسعود، ابن عباس وغيرهما.
السورة الثانية بعد المئة: الآية 1: “ألهكم”، قرأتها: “أألهكم”، مثل ابن عباس وابن الجوزاء ] جفري.


