خمسة مرات جرى ترشيح المهاتما غاندي للحصول على جائزة نوبل، اخر مرة قبل بضعة ايام من موته قتيلا عام 1948. ناقشت اللجنة منحه الجائزة بغيابه ولكن الاقتراح فشل لكونه يتعارض مع قواعد عمل اللجنة.
على الدوام كان معهد نوبل لجائزة السلام ينفي ان المعهد تفادى منح الجائزة لغاندي خوفا من المملكة البريطانية. غير ان المؤكد ان بريطانيا لن تكون سعيدة. كان غاندي هو الذي اجبر بريطانيا على منح الهند استقلالها.
ولد غاندي عام 1869 في مدينة الامراء بارباندار، في غرب الهند، حيث كان والده موظفا كبيرا. كان الطريق امامه مفتوحا للصعود الى اعلى السلم الوظيفي والاجتماعي، ولكن غاندي كانت لديه برامج مختلفة.
عام 1893 انتقل غاندي الى افريقيا الجنوبية العنصرية، حيث حصل هناك على عمل. الا ان القوانين العنصرية هناك استفزته. اول معايشة له للقوانين العنصرية كانت اثناء ركوبه القطار، إذ رفض الانتقال الى صالة ركاب الدرجة الثالثة مع انه اشترى بطاقة في الدرجة الاولى. ثم بعد ذلك جرى ضربه من اجل ان يترك مكانه لمسافر ابيض.
عندما قامت افريقيا الجنوبية بتشريع قانون، عام 1906، يجبر الهنود على تسجيل انفسهم، قام غاندي بتنظيم حملة سلمية لرفض الاذعان، استمرت سبعة سنوات. الاف الهنود تعرضوا للضرب والجلد والقتل. في النهاية اضطرت السلطات الى الاعتراف ان العنف لم يكسر عزيمة الهنود المسالمين ولم يخضعهم، وانما جلب الاذى للنظام العنصري واثار حفيظة العالم، بحيث اضطرت الحكومة الى الدخول في مفاوضات مع غاندي.
عام 1915 عاد غاندي الى الهند وهو يحلم بتحسين ظروف الفقراء الهنود. فلسفته بالانتصار على الظالمين سلميا اصبحت ناضجة بعد تجربته لها في افريقيا الجنوبية، ورأى فعالية الدعوة الى العصيان الاجتماعي لتصبح سلاح الضعفاء ضد الاقوياء.
في البداية استخدم طريقته ضد السلطات المحلية لاجبارها على رفع اجور الخدمات واسعار بضائع الفلاحين. في البداية قامت السلطات بإعتقال غاندي وسجنه، ولكن اكثر من مئة الف فلاح خرجوا الى الشارع واعتصموا فيه. على الفور اضطرت السلطات الى التفاوض.
بعد فترة قصيرة بدأ بالاصطدام بسلطات الاحتلال البريطاني. بعد مذبحة بريطانية بالهنود عام 1919 اصبح غاندي يطالب بإستقلال الهند. من هنا بدأ كفاحه الذي امتد 30 عاما. كانت بريطانيا تسجنه على امل ان يؤدي ذلك الى نسيانه ولكن الهنود اصبحوا متعلقين به. بعد ذلك جرى انتخابة الى قيادة حزب المؤتمر الوطني، والذي كان يرفع شعار تحصيل استقلال الهند. واضطرت بريطانيا على الاعتراف به كمفاوض بإسم الهند.
اشهر حملاته كانت عندما قامت بريطانيا برفع الضريبة على الملح، عام 1930، فعارض ذلك غاندي، وقرر ان يقاطع شراء الملح. لقد قرر ان يقوم بإنتاج حاجته من الملح بنفسه، لذلك مشى 400 كيلومتر ليصل الى البحر، داعيا الهنود الى انتاج حاجتهم من الملح ومقاطعة الملح البريطاني. في البداية سخر الانكليز منه، ولكن دعوته تحولت الى حركة شعبية واصبحت تحدي كبير، لم ينفع معها المنع بالسلاح، وهي الاحداث التي طارت الى جميع انحاء العالم وذكرها بعض شعراء العراق.
يذكر ذياب مهدي محسن:" الشيخ صالح الجعفري (وهو من اسرة آل كاشف الغطاء) جده المرجع الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب ( كشف الغطاء ) الذي أخذت الأسرة اللقب منه ،ذكر احداث الهند في معرض نقده لواقع الحوزة الدينية وتراكم العفن والجمود في أطرافها ، يقول في أبيات له تضمها صفحات ديوانه ، يخاطب فيها غاندي الهند حينما حج مع شعبه الى البحر لتوفير الملح ورفض الملح الإنكليزي القادم ، وما حصل خلال هذا الحج من التضحيات وسفك دماء الهنود ( على يد عتاة الإنكليز ) وصمودهم وزحفهم السلمي الذي أرعب المحتل ونجاحهم في الوصول إلى البحر . يقول الجعفري وهو يقارن حج هؤلاء الهنود ، بالحجيج المسلمين الخانعين لحكم الأجنبي المحتل :
حجّوا فلســــــتم بالغين بحجكم شّرف الهنود
حُجّوا إلى اسـتقلالهم وحججتم خوف الوعيد
وعبادة الأحــرار خــير من عـبادات العـــبيد !؟"
حملة اخرى جرت في اثناء الحرب العالمية الثانية تحت شعار اخرجوا من الهند. اشار فيها غاندي الى نفاق البريطانيين، إذ من جهة تفسر بريطانيا الحرب ضد النازيين على انها حرب من اجل الحرية في ذات الوقت التي ترفض اعطاء الهنود حريتهم.
في النهاية اضطر البريطانيين الى الانسحاب واعطاء الهند استقلالها، ليكون الاستقلال كارثة على الهند وعلى غاندي شخصيا، افقدته سعادته بالاستقلال وحياته. المسلميين الهنود رغبوا بتشكيل دولتهم الخاصة، ولم يعارضها غاندي كما لم يتمكن من السيطرة على الفوضى واعمال العنف التي نشأت. غير ان سلوكه اثار غضب متطرف هندوسي ليقوم بإطلاق النار عليه عام 1948، عندما كان في طريقه الى الصلاة.


