2012/10/24

موقعة فتح كوسوفو




موقعة كوسوفو
موقعة كوسوفو
في يونيو من عام 1389 تواجه 70 الف محارب على مقربة من كوسوفو. (kosovo polje) في احدى الجهات تقف قوات السلطان العثماني مراد، الذي يخطط لفتح واحتلال اوروبا، وفي الطرف الثاني يقف شيخ احد الافخاذ الصرب ستيفان لاذار. نتيجة المعركة ستقرر مصير اوروبا.

الجيش العثماني كان جنوده يصطفون بصفوف طويلة حاملين سهامهم استعدادا. بعد دقائق تنطلق منهم الاسهم امطارا ويتلقون سيلا من الاسهم. في الجانب الاخر تقف صفوف الصرب بقيادة لاذار، منقسمة الى ثلاث تشكيلات، الوسط والجناحين، تواجه الجيش العثماني.

في البداية انطلقت خيالة الصرب في اتجاه صفوف قلب العثمانيين، من المشاة، ليصبح السلطان مراد قريبا للغاية من الملتحمين. في تلك اللحظة كانت قوات العثمانيين قد قضت سبعة عشرة عاما على ارض الصرب تحاول اخماد مقاومتهم، واقناعهم بقبول الاحتلال او الفتح.

منذ بداية القرن الثالث عشر بدأ العثمانيون توسيع رقعة اراضي سلطنتهم. على مدى القرون اللاحقة تمكنوا من الوصول الى شبه جزيرة البلقان. كانت المنطقة، ومن بينها كوسوفو، هدفا استراتيجيا مهما لكون المنطقة تشكل المعبر الطبيعي الى وسط اوروبا.

القبائل السلافية التي تعيش في البلقان لم تكن موحدة ولم تكن قادرة على الوقوف بوجه جيش العثمانيين المتدرب والمحترف. كان العثمانيون يرسلون جيوشهم على دفعات ليقضون على القبائل السلافية متفردة، واحدة بعد الاخرى. منذ عام 1371 بدأ العثمانيون يقيسون قوة القبائل السلافية عندما هزموهم على ضفاف نهر ماريتسا. النصر اعطى الاتراك موقع قدم في البلقان واجبروا الصرب على توقيع اتفاق سلام.

الصرب كانت مجموعة من القبائل تتمتع بالعزة وتؤمن بقدرتها على وقف اجتياح الطاعون العثماني، بدون مساعدة خارجية. في الواقع خاضوا العديد من المعارك الصغيرة وانتصروا فيها على العثمانيين، مما عزز ثقتهم بأنفسهم.

في عام 1388 قام السلطان مراد بحملة جديدة على البلقان. في البدء انتصر العثمانيون على ملك البلغار واجبروه على الموافقة على وضع قواعد عسكرية للعثمانيين على الاراضي البلغارية. بذلك تحسنت ظروف العثمانيين في الاستعداد للحرب على قبائل الصرب.

في الشمال كان الشيخ لاذارد يتابع بقلق حركة جيش المسلمين. كان لاذارد قائد اكبر مجموعة صربية وكان يعلم ان العثمانيون يتهيئون لاحتلال ارض الصرب. كما انه كان يعلم ان عليه ان يقود الصربيين بنفسه للدفاع عن بلادهم اذا كان هناك حظ لوقف الغزاة. كان لاذارد متحالف مع الشيخ فاك بارنكوفيتش وفلاتكو فوكوفيتش وكل منهما كان لديه بضعة الاف من المقاتلين. كان ذلك نواة الجيش الذي سيقف ضد غزو المسلمين، وفيما بعد انضم للتحالف البلغار والالبان والبوسنية والكروات وقبائل اخرى، يجمعها الرغبة في وقف الطاعون العثماني.

في ربيع عام 1389 انهى السلطان مراد التحضيرات النهائية لاحتلال بلاد الصرب. من مدينة بلودفيف الواقعة في جنوب بلغاريا انطلق جيشه المؤلف من 40 الف جندي في اتجاه حدود الصرب. في يونيو وصل العثمانيون الى بريشتينا، او مدن كوسوفا.

في ذات الوقت توجه لاذارد على رأس جيش من 30 الف مقاتل الى بريشتينا. بين جيشه كان يوجد بضعة الاف من الفرسان المدربين ويشكلون عصب جيشه. كان لاذارد قد قرر التقابل مع العثمانين في حقل يدعى تراست من اجل استغلال معرفته للمنطقة ولقطع طرق الهروب على المسلمين، في حال خسارتهم المعركة.

كان القائد الصربي يعلم ان المعركة حاسمة ولذلك كان يثير المشاعر الدينية لجنوده. قبل بدء المعركة استعرض جيشه وطلب منهم التضحية بالذات من اجل الوطن ومن اجل العقيدة المسيحية:
" إذا جائنا الموت، نحن نتقبله في سبيل المسيح، ومن اجل وطننا. من الافضل الموت في المعركة على الحياة في العار. من الافضل لنا قبول الموت على ان نقبل بالتسليم للعدو. نحن عشنا حياة طويلة والان نقبل موت الشهداء لنحصل على الابدية في السماء. نحن جنود المسيح." وبعد هذا الخطاب انطلقت صيحات الجنود مهللة.

كانت المعركة لامفر منها. في صباح اليوم التالي 28 يونيو من عام 1389 وقفت صفوف من سبعين الف جندي متقابلة في موقعة تراست، على بعد خمسة كيلومتر من مدينة بريشتينا.

في البداية تمكن فرسان الصرب من الضغط على جيش السلطان مراد واجباره على التراجع. الجناح الغربي من الجيش العثماني، الذي يقوده يعقوب، الابن الاكبر للسلطان، اندحر وتناثر جنوده المسلمين امواتا على ساحة الصراع الخضراء تحت ضربات الفرسان الصرب. وصلت فرسان الصرب الى الخطوط الخلفية للجيش العثماني بحيث اصبحت تهدد السلطان نفسه، الذي قام بتحويل جنوده من الخطوط الخلفية.

وفي الجبهة الوسطى تمكن الصرب من التقدم وجنود السلطان العثماني بدؤا بالانسحاب وبدا كما ان انتصار الصرب اصبح قريبا. غير ان الامور انعكست.
في احدى اللحظات الحرجة تمكن، بيازيد، الابن الاصغر للسلطان العثماني والذي كان يقود الجناح الايمن للجيش، من تجميع جيشه والهروع لمساعدة ابوه واخوه. ببطء تمكن العثمانيون من استعادة المبادة والضغط على الصرب واجبارهم على التراجع.

ماذا جرى بعد ذلك خضع للكثير من النقاش في وسط المؤرخين. في فوضى المعركة قام الحليف الصربي فاك برانكوفيتش بالاستدارة والخروج من حلبة المعركة مع رجاله، مع انهم كانوا ممن قاموا ب|إختراق وسط جيش العثمانين. مع خروجه تبعه 10 الف مقاتل صربي. يقال ان سبب خيانة برانكوفيتش ان العثمانيين وعدوه بالامارة على الصرب.

بغض النظر عن اسباب الخيانة بين الصرب، كانت للهزيمة نتائج وخيمة. العثمانيين حاصروا قوات لاذارد واسروهم. ثم عزلوا لاذارد والطبقة الاريستقراطية الصربية عن بقية الجيش وقاموا بقطع رؤوسهم مباشرة على ارض المعركة.

يكتب احد المؤرخين الصرب المجهولين عن المعركة قائلا:"
لااعلم إذا كان وقوع لاذارد بيد بيازيد، وتعرضه للتعذيب لينتهي بقطع رأسه الشريفة الممتلئة بخوف الله، كان بسبب الخيانة ام انها من فعل الرب، ليمتحنا ويكشف افعال الكفرة المتوحشين".

موقعة كوسوفو
Kosovo Polje
Serbian in defeat to Ottoman forces, 1389
عند الغروب كانت آلاف من جثث الجنود متناثرة على سطح الحقل الاخضر والذي اصبح من ممتلكات العثمانيين. غير ان النصر كلف العثمانيين غاليا. في خلال المعارك الدموية تمكن الصرب من قتل السلطان مراد وابنه الاكبر يعقوب. وعقب موتهم اصيبت الخلافة العثمانية بالضعف بسبب الصراع على السلطة، كاد ان يؤدي الى تمزق الخلافة. بعد المعركة مباشرة اضطر بيازيد الى العودة سريعا الى عاصمة ابيه ادرنة من اجل تنصيب نفسه خليفة على المسلمين، تاركا الحلم بالاستيلاء على اوروبا ينتظر.

موت السلطان مراد قصة تسرد بنسخ متعددة، حسب الطرف الراوي. مراد بقي على العرش ثلاثين عاما. حسب المصادر التركية، يقال انه ذهب ضحية الصربي الاريستقراطي ميلوش اوبيليك. حسب هذه القصة كان السلطان مراد يتفقد ساحة المعركة بعد انتهاء الموقعة. اوبيليك تظاهر بالموت وعندما شعر بالسلطان قريبا منه نهض وطعنه بخنجر في قلبه.
حسب الرواية الصربية فإن ميلوش اوبيليك جاء الى معسكر العثمانيين واخبرهم انه هرب اليهم. بعد ذلك اخذوه الى خيمة السلطان مراد ليروي له اخبار المعسكر الصربي. وقبل ان يسجد على ركبتيه امام السلطان انقض على السلطان وطعنه.
ورواية ثالثة تقول ان السلطان مراد قتل في بداية المعركة من قبل الفرسان الصرب. في رسالة، من عام 1389، من مجلس شيوخ مدينة فلورانس الى ملك البوسنة تذكر ان اثنى عشر فارس تمكنوا من اختراق صفوف العثمانيين، تبعهم عدد غير معلوم من الفرسان. هؤلاء وصلوا الى خيمة السلطان وطعنوه بالسيف.

بالنسبة للصرب كانت خسارة لاذار قاصمة فلم يعد لديهم من قادر على الوقوف في القيادة. غير ان لاذارد اصبح قديسا للشعب الصربي ورمزا للنضال والتضحية ضد اطماع الغزو الاسلامي.
بعد معركة تراستا احتاج العثمانيون الى سبعين عاما ليتمكنوا من كسر عزيمة الصرب نهائيا. ولكن الفوضى والحرب الاهلية بين العثمانيين اجبرتهم على ترك الصرب يمارسون حكمهم الذاتي الشكلي الى عام 1459. وفي عام 1878 ، اي بعد 500 عام من المعركة التاريخية، استعاد الصرب استقلالهم. واليوم يجري الاحتفال سنويا بالبطل القومي لاذارد ويعتبرون مكان الموقعة مسرحا تاريخيا في ذات الوقت يعتبرون سكنة كوسوفو المسلمين اليوم ابناء العثمانيين او بالاحرى نغولة العثمانيين.

وبتاريخ 12/08/2012 نشرت ايلاف تحقيقا من كوسوفو ينبأ بزيادة عدد السكان الذين يعلنون عودتهم الى دين الاجداد تاركين دين المحتلين العثمانيين الذين اجبروا عليه. واشار البعض الى ان عوائلهم كانت تمارس الطقوس المسيحية سريا منذ عقود ، في حين يمارسون الطقوس الاسلامية علنا، بحيث ان هذا النمط من الحياة اصبح الطبيعي لديهم. والان فقط يتجرأ البعض بالخروج عن تقليد الازدواجية الدينية مختارين العودة الى دين الاباء. وانتشار ظاهرة التظاهر الديني قديم ومعروف بحيث انه يطلق تعبير " لارامان" على هذه الفئة من الناس، وتعني متنوع الصفات. وأعلنت السلطات في كوسوفو أن مئات االالبان تعمدوا منذ عام 2008.


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More